موسيقى أم كلثوم والتقنيات الحديثة. التراث الموسيقي والأطر الحديثة : أي صورة وأي موسيقى وأي منهج؟

عماد الغدامسي (مؤلف)
المعهد العالي للموسيقى، سوسة، تونس.
49 – 71
‫التراث الفني الموسيقي. نماذج و ممارسات
ع. 05 — م. 03 — 30/06/2025

مقدمة

"هناك ثورات تؤثر على الأسس المادية لمجتمع ما، وهو النوع الذي نتحدث عنه عادةً. كما أنه توجد ثورات رمزية، من النوع الذي أحدثه الفنانون أو العلماء أو الأنبياء أو أحيانًا، في حالات نادرة، السياسيون الكبار، التي تؤثر على البنى العقلية، أي التي تغير طرق رؤيتنا وتفكيرنا". (بورديو، 1996) هذه الملاحظات في غاية الأهمية فبقدر ما يُنسب إلى الفنان الموسيقي، من بين أمور أخرى، دورًا مهما، هو الدور الذي يمكّنه من تغيير مواقف الشعوب. سيكون هذا الدور في منطقة مبهمة بمجرد إسقاطه في السياق الموسيقي العربي، ولكن هنالك استثناء واحد يخص أم كلثوم التي وطوال  مسيرتها كانت في مكانة موقورة وفي مرتبة راقية.

وبعيدا جدا عن "الحياة الموسيقية في الجاهلية التي تتمحور حول القينة، الخادم والمغني" (تومه، 1996) وهي أدنى مكانة ممكنة يمكن نسبتها للموسيقى، نقف اليوم أمام موسيقى مختلفة من حيث المفاهيم كمفهوم الترفيه. ويتناول هذا المفهوم جانبًا مختلفًا في عصرنا الحالي حيث إنه يتقدم كصناعة تستخدم فيها جميع العمليات الفنية وجميع الأدوات الإعلامية لإنتاج عروض موسيقية و/أو سمعية بصرية أو غيرها من العروض الفنية التي تسعى لإرضاء كل الأذواق من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المتتبّعين. والأكثر من ذلك، كان الاتجاه التاريخي لوسائل الإبداع ثابت في طريقة توصيل الموسيقى نحو المزيد والمزيد من سهولة الوصول إليها. وقد أدّت إمكانية الوصول هذه إلى تجزئة وتنويع الموسيقى نحو أنواع مختلفة من الاستهلاك التجاري. وتتمحور تجزئة الإبداعات الموسيقية في تقديم أغانٍ ذات مدة قصيرة  ما ينتج عنه كثرة الأعمال في فترات قصيرة من الزمن. أما بالنسبة للتنويع، فيقدم الإنتاج الموسيقي مجموعة كاملة من الأغاني: أغاني عاطفية أو مناسبات، أغاني أفلام، أغاني مناسبة لكل شريحة عمرية، إلخ. والخلاصة أن التغيير والتطور حاصل لا محالة منه والمجال المصري ليس باستثناء بل أنه يقود في أغلب الأوقات المجال العربي كافة. ثم إن الانتقال من جيل إلى جيل هو أمر حتمي منذ" سيد درويش (1892-1923)، الفنان الموهوب الذي تعتبره مصر أعظم موسيقييها المعاصرين، أعطى دفعة جديدة للفن الموسيقي في عصره منذ عشرينيات القرن العشرين فصاعدًا. وبالنسبة لنا، فإن أهم ما يميّز هذا الرجل هو أن محمـد عبد الوهاب وأم كلثوم كانا من تلاميذه المتحمسين." (جارجي، 1971).

والوصول بشخصية أم كلثوم من عالم الموسيقى العربية القائمة على خاصيات جمالية مختلفة إلى الجمهور المعاصر يبدو مفهوما ومقنعا نسبيا لا سيّما من خلال مكانة الصورة اليوم. "ينشأ الوضع الجديد للمرئيات من حقيقة أنه، منذ اختراع السينما والتلفزيون، هناك تدفق كبير ومتزايد باستمرار من المرئيات يخدم في الوقت نفسه عوالم الفن والاستهلاك. لقد ولّد جهاز الشاشة إعادة توزيع السلطة بين المرئي واللّامرئي، صفقة جديدة في إدارة التجسيد والإدماج على الشاشة." (موندزان، 2002) وهذه السلطة هي التي يستخدمها المبدعون لتضخيم انتشار الأعمال وخلق النجومية والترويج لها. في اتجاه موازي، لا بدّ من القول إن ظهور الإنترنت لم يخلق أيقونة الموسيقى أو يكرّس صورة الموسيقى والموسيقيين. ترافق تطور وسائل الإعلام مع تكريس صورة الموسيقى، كل بوسائلها وأدواتها الخاصة حسب ترتيب ظهورها: الصحافة والسينما والإذاعة والتلفزيون والإنترنت، واللافت في هذا التقاطع بين صورة الموسيقى والتنوع الثقافي والتقنيات الحديثة في الاتصالات والمعلومات NTCI هو أن الحدود الثقافية أصبحت أكثر انفتاحًا. في الموسيقى، الأمثلة عديدة من المطربين المنتشرين إلى حدّ ما نتيجة هذه الثورة الرقمية.

تمثل التقنيات الحديثة فرصة هامة وإمكانية تقنية لاسترجاع وإعادة نشر موسيقات وموسيقيين من الماضي، فكيف تمكن الرقمنة من إيصال أعمال أم كلثوم كمثال إلى الجمهور المعاصر وماهي أشكال إعادة الحياة لهذه الأغاني؟

المرور عبر الزمن لا يمرّ دون نتائج على مستوى الشكل والمحتوى، فماهي أهم نتائج بث موسيقى أم كلثوم في الوسائط المختلفة؟

يتميّز الواقع الاجتماعي المعاصر بما يسمّيه (دينو، 2015) بالتفاهة، فكيف تنتقل موسيقى أم كلثوم على ما تمثله من جودة جمالية وتقنية موسيقية إلى عالم الاستهلاك الرقمي المعاصر؟

ومن أجل بلورة أفكار ثابتة ومؤكدة حول هذه الأسئلة، يقدّم هذا النص قراءة منهجية ثلاثية الأبعاد، حيث يقدم الجانب الأول تفصيلا منهجيا حول لغة الصورة التلفزيونية. وفي هذا الجانب، نحاول تلخيص طريقة قراءة المحتوى السمعي البصري مما قد يمكن من تيسير تحليل أمثلة لعودة أم كلثوم إلى الساحة الفنية المعاصرة  من جديد. ويذهب الجانب الثاني إلى قراءة التقنيات الحديثة ومجموع الوسائل والوسائط التي تساهم في صناعة المحتويات الموسيقية وبثها للجمهور. أمّا الجانب الثالث فيتطرّق إلى تفاصيل بعض الأمثلة حيث تقدم موسيقى أم كلثوم وذلك
من خلال فيديو لحوار مصطنع بين مقطع من فيلم للممثل محمـد سعد ومقطع من أغنية لأم كلثوم مركبة باستعمال تطبيقات المونتاج على الهواتف الذكيّة، ثم جزء من أغنية شعبية مصرية لعبد الباسط حمودة بطابع صوتها من إنتاج الذكاء الصناعي، ثم تقرير تلفزيوني حول حفل لأم كلثوم بطريقة الهولوغرام.

الصورة، صورة الموسيقى: لغة ثنائية المكونات

إن تحديد أهداف وأدوات قراءة الصورة شرطان مسبقان أساسيان، إلا أنهما ليسا الشرطين الوحيدين. إذ يجب أن يسبق تحليل المنتج السمعي البصري نفسه نوعان آخران من الدراسة. دراسة وظيفته والسياق الذي يظهر فيه. وللدخول سريعا في الموضوع فإن موسيقى أم كلثوم التي نتحدث عنها في هذا المقال هي مقاطع الفيديو التي تظهر في وسائل التواصل الاجتماعي. بمعنى، أن أدوات العمل هي قراءة الصورة المركبة ومحتواها السمعي البصري وأما سياق العمل فهي مجالات البث والتداول من وسائط سمعية بصرية وإمكانيات تقنية.

المحتوى السمعي البصري هو رسالة موجه للجمهور ولذلك من الأهمية بمكان تحديد ومعرفة لمن تم إنتاجها. وبعبارة أخرى، الجمهور المستهدف والوظيفة التي تتعهدها الموسيقى. ولا يكفي تحديد المرسل إليه فقط فوظيفة الرسالة أمر بالغ الأهمية لفهم المحتوى. ولكلا الجانبين، نحتاج إلى معايير مرجعية. وهناك طريقتان يمكننا استخدامهما للقيام بذلك: الأولى هي وضع الأنواع المختلفة من الصورة والتوضيح في المخطط السمعي البصري. والثانية هي مقارنة استخدامات المنتج وتأثيراته مع استخدامات الإنتاجات الفنية الرئيسية. وبالنسبة للحالتين فالمادة المصورة تبقى نفسها.

في البداية، يتم تعريف لقطات الفيديو بأنها تتكون من سلسلة من الصور. يتم تشغيلها باستخدام علامات موضوعة على مستوى لوحة التحكم (Control tracking level C.T.L) في مرحلة المونتاج الذي يلي التصوير. وبالتالي فاللقطة هي جزء ووحدة من الفيديو يتميز ببداية ونهاية وتكون محدودة باللقطات التي ترتبط باللقطات السابقة واللاحقة. من المهم ملاحظة أن الترتيب الذي يتم فيه التقاط اللقطات لا يتوافق بالضرورة مع التسلسل الزمني للفيديو. وفي قراءته للخطاب الفيلمي يطرح (سار فلورشايم، 1993) عرضا لأمثلة من طرق التصوير، فلدراسة الصورة في المجال السمعي البصري عليك أن تبدأ بالبحث في النقاط القوية وخطوط القوة في الصورة، وهي العناصر التي تم الإدراك حدسيًا أنها الأكثر أهمية والأكثر إثارة للاهتمام، لأنها كانت الأكثر إشراقًا والأكثر ألوانًا والأكثر غرابة أو الأكثر إضاءة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى ففك محتوى إنتاج الصورة وتنفيذها يعود إلى الإطار
أو اللقطة العامة، اللقطة نصف الكاملة، اللقطة المتوسطة، اللقطة القريبة، اللقطة القريبة جدًا أو اللقطة المقربة جدًا التي تلفت انتباهنا إلى عنصر ما. فكلما كانت العدسة أقرب، كلما أصبح المشهد أكثر دراماتيكية وحميمية وعاطفية. وفي جانب آخر نجد اللقطة الأمامية أو اللقطة الجانبية. وهذا الاستعمال يعطي لدينا انطباع بأننا نقترب كثيرا حتى المبالغة. أما الزاوية المنخفضة (من الأسفل إلى الأعلى) فتشير إلى الشخصية المصورة إلى تفوق قوة وسيطرة في حين أن الهبوط (من الأعلى إلى الأسفل) فينتج عن هذا الهبوط تأثير الاختزال والضعف.

في الاتجاه نفسه، تعرّف اللقطة المتسلسلة كمجموعة من اللقطات التي تشكل وحدة سردية محددة بوحدة المكان أو الحركة أو الصوت. وحسب (ميتز، 1968)، نجد بعض الأنواع الرئيسية للقطات المتسلسلة ذات الوحدة المعنوية، وهي المحتوى الذي تنتمي إليه مقاطع الفيديو موضوع المقال. وكمثال عن أنواع ومحتويات هذه المقاطع
أو اللقطات المتسلسلة يقدّم (ميتز،
1968) المشهد أو التسلسل في الزمن الحقيقي: مدة الإسقاط تساوي المدة الخيالية، التسلسل "العادي": يتضمن فواصل زمنية أكثر أو أقل أهمية؛ تسلسل زمني متسلسل، التسلسل "المتناوب": يُظهر فعلين (أو أكثر) متزامنين بالتناوب، المقاطع المتتالية "المتوازية": تُظهِر أمرين (أو أكثر) من الأشياء (الفعل، الأشياء، المناظر الطبيعية، النشاط، إلخ) بالتوازي، دون أي رابط زمني ملحوظ، لإقامة مقارنة مثلًا، تسلسل "الحلقة": عرض تطور يغطي فترة زمنية كبيرة في بضع لقطات مميزة تفصل بينها علامات حذف، تسلسل "الدعامة": مونتاج لعدة لقطات تعرض تسلسل الأحداث نفسه (الحرب مثلًا)، إلى غير ذلك.

يحتمل الجانب الصوتي وجود ثلاثة أصناف رئيسية. الصوت البشري من حوارات وتعبيرات مختلفة. الضجيج المنظم الأصلي أو المصنع. ثم الموسيقى. وفي هذا الإطار، لن نذهب إلى الأصوات بطريقة مستقلة بل وكما ذكرنا ذلك في تحديد المنهج، سنذهب في وصف وتحليل العلاقة بين الصوت والصور وتحليلها وفق هذه المجالات الثلاثة الأساسية للتعبير الصوتي في السينما التي هي أصل هذه اللغة. (شيون، 1985) وتفصيل ذلك بداية الصوت داخل المجال؛ أي مجال الكاميرا، حيث يكون مصدر الصوت (الكلام أو الضوضاء أو الموسيقى) مرئيًا على الشاشة وهو صوت متزامن. ثم الصوت خارج المجال، حيث أن مصدر الصوت يكون غير مرئي في الصورة، ولكن يمكن أن يكون خياليًا يقع في الزمكان في الحيز الزماني للخيال المعروض أو أنه صوت ديجيتالي رقمي (ديجيتال: يشير إلى عالم الخيال المصنّع،" العالم "الذي يعرضه الفيلم أو يقترحه).

كذلك الصوت الخارجي الذي ينبعث من مصدر غير مرئي يقع في مكان وزمان آخر غير ذلك الذي يظهر على الشاشة؛ الصوت ديجيتالي إضافي. ويمكن القول إن هذه الحدود يمكن تجاوزها، فيمكن أن يصبح الصوت" خارج المجال "وصوتًا" داخله"، والعكس صحيح، ويمكن أن يتحول الصوت من" خارج المجال " إلى" داخل المجال "
مع تسلسل الأحداث وهكذا تباعا.

من جانب آخر، يمكن نقل محتوى الصورة من مكونات سمعية وبصرية إلى مستوى أبعد، ففي السينما مثلا، كما هو الحال لمقاطع الفيديو، يمكن فهم وجهة النظر: وجهة النظر البصرية البحتة: أين نرى ما الذي نراه؟ من أين وأين تقع الكاميرا؟ والمقصد من وجهة النظر هذه الجانب التقني. أمّا وجهة النظر بالمعنى السردي: من الذي يروي القصة؟ من وجهة نظر من الذي يروي القصة؟ ويتم الجمع بين هذين النوعين من الأسئلة عندما نسأل: من يرى؟ هل وجهة النظر (البصرية) هي وجهة نظر الشخصية (الصورة التي يشار إليها أحيانًا بـ"الذاتية"). والمهم هنا أن وجهة النظر هذه يمكن إسقاطها على المعطيات الصوتية والمعنى أن مصدر الصوت والصوت نفسه هو أيضا وجهة نظر. وفي هذا الإطار يمكن تصور أن عرض مقاطع فيديو لموسيقى أم كلثوم هي رؤية خاصة تستحق الانتباه بعيدا عن الجانب التقني لمصادر الأصوات.

بالنسبة للموسيقى،" يتمثل التحليل الموسيقي في دراسة المكونات المختلفة للعمل من أجل التعرف على أصالته والتوازن بين الوحدة والتنوع وإبراز نهج المؤلف الموسيقي.

ويشمل أيضًا عمل المؤلفين الغنائيين والعازفين المنفردين" (حكيم، وديفورسي، 1991) ويأخذ التحليل في الاعتبار تطور الشكل والنمط الموسيقي. وتطور اللغة الفنية للتحليل واستخدام الوسائل الفنية كالأصوات، إضافة إلى الكلمات والإيقاع والتوزيع الموسيقي ووسائل البث والعرض. وفي التجاه نفسه،" ففي العلاقة بالمكونات الأساسية، القضية محسومة: فالأغنية بدون ما هو بالنسبة لنا اللحن لن تكون أغنية، وهذا لا يعني أن مجالها الموسيقي هو اللحن فقط وبالدرجة الأولى. "(أوتلان، 1986) وبالإمعان في تفكيك المكونات الموسيقية نذهب نحو البنية اللحنية، حيث تحديد وجود الألحان في الأعمال. ومن ذلك الإشارة إلى الشكل العام للألحان (ثنائي، ثلاثي، آخر) إضافة إلى تحليل الهياكل الداخلية للألحان (النبرة، اللكنة، السابق واللاحق والتابع، إلخ). هذا إضافة إلى التمييز بين العناصر الموضوعية بتحديد الزخارف الأساسية، وذلك بإجراء اختزال لحني إذا لزم الأمر. أيضا، الهيكل اللحني، أو المظهر الجانبي (تصاعدي، تنازلي، شكل سنّ المنشار، شكل التفافي، شكل جيبيّ. كذلك، المظهر العام (مفصول، مقترن) المدار أو المجال الصوتي ( نطاق النغمات) والسجل المستخدم أو الدرجات ( الفواصل، المقامات) والزخرفة، التطوير( الخطوات، التكرارات، التغييرات الفاصلة، الانعكاسات، التحويل).

وبالنسبة للإيقاع، كمون أساسي ثان، فالبحث يذهب نحو الإطار الزمني (ثنائي، ثلاثي، متحرك، حر)، الإيقاع وتنوعاته، تعدد الإيقاع أو الإيقاع الأحادي، الخلايا الإيقاعية المميزة، التكبير، التصغير، البطء، التراجع، دورية الأشكال الإيقاعية، الخصائص الأسلوبية، الإيقاع المرن، ما الذي يخدمه الانزياح الإيقاعي في الأغنية؟ إلى ما تنتمي اللغة الإيقاعية؟ إلى غير ذلك. وفي صعيد آخر، يمكن البحث في الإيقاع في علاقة بالصورة والمونتاج أو في علاقة بالحركة داخل المكونات البصرية كالرقص مثلا. يرتبط تحليل الإيقاع بالحركة، حيث أن هناك ارتباط قوي بين ما هو مطروح من إيقاع ونبض في الأغاني الموضوعة في صور وبين الرقص، ضمنيًا أو صريحًا في الوسط السمعي البصري." وقد لوحظ أيضا، خاصة في بلدان المشرق والمغرب العربي، أن الرقص أو حركات الراقص أو حتى حركات الراقصة، ... قد أثرت منذ بضع سنوات على الأداء الموسيقي لعازف الإيقاع (وهو الدور المنوط بشكل خاص بعازف الدربوكة أو الطبلة). " (هني شبرا، وبوش، 1996) وأهمية الإيقاع تكمن في ارتباطه بالحركة في بعدين اثنين، حتى أنه يتجاوز النغمة واللحن. والحديث هنا عن بعدي الحركة البصرية كما ذكرنا الرقص مثلا. أما البعد الثاني فهو الحركة الفيلمية التي ذكرنا بعض تجلياتها فيما سبق.

الموسيقى، الأنترميدياليتي والتقنيات الحديثة NTCI

يقول (شاتوفارت، 2016) في حديثه عن واقع المجال السمعي البصري مدعما قوله بكتابات ألتمان:" في غضون سنوات قليلة فقط، أصبحت الشبكة العنكبوتية واحدة من أكبر ساحات التجريب والتعبير عن التنوع في الإبداع السمعي البصري. يكتشف المبدعون والمشاهدون حرية وسيط ناشئ يسعى إلى تحديد جماليته ولغته السمعية البصرية وشرعيته في لعبة حوار وإعادة تملّك مع أشكال وأنواع مستعارة من التلفزيون والسينما، ولكن أيضًا من الراديو والشرائط المصورة وألعاب الفيديو والأفلام الوثائقية - باختصار، كل الأشكال التي يمكن أن يتّخذها السرد المرئي والمسموع. نحن نشهد فترة من التداخلية "أنترميدياليتي (ألتمان، 1999، ص. 38). ويحدّد هذا القول مجال مقاطع الفيديو المنتشرة في وسائل التواصل الاجتماعي دون تفصيل بذكر أنها أنواع مستعارة. ولكن، ماذا لو أن المستعار يتجاوز الأصل في الأهمية؟ والملاحظ أن السياق السمعي البصري الحديث هو سياق قائم على التقطع والتجزئة؛ أي بعيدا عن الاختصاص والكمال كما هو الحال لإنتاجات السينما والتلفزيون. وما يؤكد أهمية هذه الأشكال الحديثة أن السينما والتلفزيون نفسهما يستعملان أسلوب مقاطع الفيديو في الإعلانات" ترايلر "ومكونات بعض البرامج بل ويذهب بهم الواقع إلى استعمال المجال نفسه للبث.

وبالنسبة للموسيقى، يبدو الأمر وكأنه محسوم، حيث أن النظر إلى الماضي القريب يحيلنا حتما إلى أن التقنيات الوافدة تجد مكانا لها في كل مراحل الإبداع الموسيقي. وهو ما ذكره (بوشو، وماثيو، 2006) إذ من المهم تقييم التغييرات التي تحدث نتيجة لتزايد إمكانية الوصول إلى أدوات الإنتاج الموسيقي، وخاصة اللّامركزية، ليس فقط طرق التوزيع وإنما أيضا وسائل الإنتاج نفسها. ومن نتائج الرقمنة (أو" إزالة الطابع المادي ") من حيث الإنتاج والبث للأعمال الموسيقية. وعلى عكس ما كان يبدو، فإن التوافق بين التنظيم الصناعي القائم، والمقصود هنا صناعة الأقراص المضغوطة وإمكانات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرقمية الحديثة، كل مظاهر التطور الرقمي أدّت
إلى انهيار النظام القائم قبله. في الوقت الحاضر، يمكننا أن نعتبر أنه أدى ببساطة إلى كتلة غير منظمة من مستخدمي الإنترنت، الباث منهم والمستعمل، بمرجعية واحدة وهي الاستهلاك الرقمي. ومع ذلك، فقد كان لهذه التغييرات المختلفة أيضًا تداعيات منطقية من حيث الاستخدام والجمالية، وهو ما سنسعى إلى توضيحه من خلال عدد 
من الأمثلة خاصة فيما يخص موسيقى أم كلثوم. الوقوف على الواقع الرقمي في علاقة بالموسيقى يبدأ باعتبار الرقمية أكثر بكثير من مجرد مصطلح تقني. ولكن الرقمية هي عبارة عن العديد من الخطابات والأشياء والتقنيات والممارسات التي تدور حول الاعتماد المتزايد على أنظمة الحاسوب المعقدة. يُستخدم مصطلح" النظام " بمعنى تكوين فضفاض منظم لهذه العناصر، أقل جمودًا من مصطلحي" المؤسسة " أو" الحقبة
"، ولكنه يشمل عناصر ملموسة وغير ملموسة ذات خصائص مشتركة كافية لإنتاج تأثير نظامي. (بريور، 2008) وبالتالي، فإن النظام الرقمي هو خطاب حول الرقمية والاستخدام اليومي لهذه التكنولوجيا. من هنا يمكن التوجه نحو تمثيلات هذه الاستعمالات وهي مقاطع الفيديو الموسيقية المفبركة أو المصنّعة انطلاقا من محتويات أصلية كأغاني أم كلثوم.

وفي جانب آخر مهم، في علاقة بموضوعنا وفي هذا المجال الموسيقي الرقمي بالذات، وجب الوقوف على مفهوم" الهواية " الذي لم يحض باهتمام كبير في مجال الموسيقى. (بريور، 2008) في الواقع، وباستثناء الدراسة الإثنوغرافية التي أجرتها (روث فينيجان، 1989) عن الإبداع الموسيقي في بلدة إنجليزية صغيرة، فإن دراسات قليلة جدًّا تناولت مفهوم الهواية بالتفصيل حتى أن فينيجان أشارت إلى أن التحليل الموسيقي ركز دائمًا على أكثر أشكال الإبداع الموسيقي"كمالًا" و"نبلًا" حيث يتم التركيز على القطاعات الأكثر تجارية وإثارة في مجال أوسع بكثير. وفي تفاعل مع الفضاء الرقمي وانتشار مقاطع الموسيقى المتقطعة والمجزأة، من الواضح أن الواقع الافتراضي ألغى هذه الفواصل، لأن انتشار بعض المقاطع الموسيقية لغير الفنانين المعروفين يكشف عن إمكانية أن ممارسات الهواة وأشكال الإبداع خارج مجال الاختصاص من الموسيقيين والجوقات والفرق المحترفة وغيرها، قد تنال حظا أوفر من الانتشار.

إن ما تسميه (أوبارت، 2023) وسائط إعلام متدفقة ومحددة الخط، تنتج محتوى مستقل. وهي إنتاجات تهدف إلى أن تجد مكانها على الشبكات الاجتماعية في ظل منافسة كبيرة. وبالتالي أن تُشاهد، ولكن أيضًا وقبل كل شيء أن تتم مشاركتها والتعليق عليها على هذه الشبكات نفسها، يعد الأمر الأبرز وخاصة العملة الأهم. وهذا يعني أنها ستسعى إلى مخاطبة مجتمع معين يتشارك المشاعر والمفضلات والأسئلة المحددة. كما يجب أن تخاطب هذه الوسائط جمهورًا واسعًا من المحتمل أن يتماهى مع القيم المشتركة والمواضيع التي يتم تسليط الضوء عليها. هذا الأمر يذهب بالنظام القديم من التقييم ويجعله هباء وذلك لأن الحشد والتعبئة الاجتماعيين ليست بالصعوبة المادية؛ أي أن مليون مشاهدة مثلا تكاد تكون مستحيلة حقيقة ولكنها بسيطة افتراضيا. تُعبّر الإشارة بالاهتمام من خلال الإعجاب والتعليق وقبل كل شيء من خلال المشاركة يوازي شراء التذاكر والحضور والتصفيق والتعليق على الحفل الموسيقي. من جهة أخرى، إن الملاحظة الدقيقة لردود أفعال مستخدمي الإنترنت في الوقت الحقيقي، من قبل مصممي وسائل الإعلام والفنانين، لها تأثير على المحتوى المقترح، حيث إنها تجعل من الممكن ترجمة الاتجاهات المطلوبة والمتصورة من الجمهور إلى أرقام، وبالتالي لها قيمة علمية حقيقية أو مفترضة، وفي كل الأحوال موضوعية. ولذلك، فإن الهدف هو فهم الآليات التي تحكم الخيارات الفنية لمصممي هذه المحتويات الإعلامية الجديدة والعوامل التي توجه اختياراتهم. فصنّاع المحتويات الموسيقية أصبحوا متحررين من قيود هيئات البث التقليدية (القنوات التلفزيونية)، وخاضعين في الوقت نفسه لرقابة المنصات الأمريكية والآن الصينية، التي تعتمد عليها هذه الوسائل الإعلامية الجديدة حصريًا والتي تعطي حرية وكذلك إمكانيات تكاد تكون مطلقة. ومن هنا يذهب الاستهلاك الرقمي نحو الكمية المطلقة وبالتالي تعم التفاهة والابتذال والذي يطال إنتاجات موسيقية هامة، على المستوى الجمالي والحضاري، كما هو الحال لموسيقى أم كلثوم. ولتأكيد أو تفنيد وجهة النظر هذه نذهب لعرض وتحليل بعض الأمثلة.

موسيقى أم كلثوم: محتوى ساخر، ذكاء اصطناعي، هولوغرام

بداية، ودرءا لكل سوء تفاهم، يقف هذا النص موقفا موضوعيا مقابل الأمثلة المعروضة للتحليل والدرس. الأكيد، وكما أكّدنا ذلك بالحجة والدليل أن مجال البث يندرج في إطار نظام التفاهة الذي أطنب في تفسيره (دينو، 2015) حيث أن كل القيود والقيم تتنحى جانبا أمام الترفيه وقاعدة الانتشار والاستهلاك الرقمي. نتيجة لذلك، فإن مقاطع الفيديو قد تحتوي بعض التفاصيل غير الملائمة وغير المستساغة من جانب أخلاقي، حتى على المستوى الشخصي ولكن الضرورة العلمية تقتضي الوقوف بغرض التحليل وفهم هذه الظواهر على تفاهتها وبذاءتها.

المثال الأول يقدم مونتاج ساخر يعرض حوارا مصطنعا بين مقطع مقتضب من أغنية " كل ليلة وكل يوم" من تلحين بليغ حمدي وكلمات مأمون الشناوي، حيث تقول في أحد أبيات الأغنية " يطمنوني حبة، عليك وعالمحبة" والواضح أن إطار الأغنية وموضوعها العاطفي بل وحتى هذا البيت نفسه يصوّر إحساس العاشق الذي أتعبه الاشتياق, والظاهر من خلال الصور التي يصوّرها الشاعر أن الكلمات عبارة عن حوار داخلي يصوّر الاشتياق للحبيب وذلك بأشكال مختلفة. الواقع أنّ الكلمات المكتوبة باللكنة المصرية وذلك من جهة استعمال بعض الكلمات العامية مثل كلمات " حبة، مين " أو بعض الكلمات العربية مع تغيير النطق حسب اللهجة المصرية مثل " ابعتلي عوض ابعث لي، الشوء عوض الشوق". ولكن عموما، فإن الصورة في الكلمات تجمع الجانب الجمالي والدلالي وهي أبعد ما تكون عن الفكاهة والابتذال وما يؤكد قطعا أن الاتجاه الذي ذهب إليه صانع مقطع الفيديو لم يجد في الكلمات المصدر مادة لاستثمارها في صياغة هذا المحتوى. ولكن الفكرة الأساسية هنا تقوم على جزء مبهم
من الكلمات وهي كلمة "عليك" و هو اسم فعل أمر بمعنى (الزم): فاعله ضمير مستتر تقديره أنت. والصورة أن هذه الكلمة متعددة الاستعمالات وليست خاصة بموسيقى أم كلثوم أم مرتبطة بها كعناوين الأغاني المعروفة مثلا. في هذه الحالة اقتطع مقطع الفيديو الجزء المناسب لصيغة الشتم المبتذل في جزئه الثاني؛ أي أن مركب الشتم يتكون من الشتيمة والشخص التي توجه له. ودون زيادة التفصيل أكثر في هذا الجانب دفعا للحرج بالنسبة للقارئ الكريم، وجب أكرمكم الله الوقوف عند مادة الشتم وهي وأن ثبت عند عموم الناس أنها مصدر للإهانة إلا أن الفيديو استعملها للإضحاك والترفيه المبتذل، والحديث هنا عن " البصق " في سياق الشتم أكرمكم الله. ولتلخيص المحتوى سريعا فإن الشتيمة التي أقحم فيها مقطع أغنية أم كلثوم أن المخاطب يشتم شخصا مستعملا كعنوان ووجهة " عليك وعالمحبة".

الآن، وانطلاقا من مقطع أغنية أم كلثوم الذي يتكرر مقتطعا من سياقه كما ذكرنا، يقوم مركب الفيديو بعرض مادة الشتم تليه مقطع " عليك وعالمحبة " بحيث تبدو وكأنها جملة متكاملة المعنى(صورة رقم 1) .

صورة رقم 1 : مقطع من أغنية كل ليلة وكل يوم لأم كلثوم

ويظهر هذا المقطع بصورة متواترة أثر كل صيغة شتم بحيث يكون المشتوم نفسه والشاتم بمحتواه السمعي البصري مختلف. وهنا يتأكد لدينا أن مقطع موسيقى أم كلثوم أسقط مقتطعا من سياقه العميق والمتقن في تركيب بذيء محدث باستعمال تقنية المونتاج. وللسائل أن يسأل عن أن تقنية المونتاج ليست بالاختراع الحديث فلماذا لم تظهر مثل هذه الإنتاجات المبتذلة سابقا؟ والإجابة على ذلك أن تقنيات المونتاج كانت بين أيدي التقنيين وأهل المهن السمعية البصرية فباتت اليوم بفعل ما يسميه الباحثون بديموقراطية التقنيات وتبسيط الاستعمال بيد العامة باختلاف ثقافاتهم ومشاربهم العلمية، العمرية والأخلاقية. وإضافة إلى ذلك فإن مقطع الفيديو يذهب بتعسف إلى اقتطاع أجزاء أخرى بعيدا عن المجال الموسيقي، فيقتطع قطعة من فيلم كوميدي مصري من بطولة محـمد سعد حيث يظهر هذا الأخير يشتم شخصية مقابلة غير ظاهرة على الشاشة. وهنا وجب التأكيد، على بداهة ما يأتي، لأن التداخل بين الواقع والخيال قد يذهب بالبعض نحو مجانبة الصواب، أن السينما هي فن قائم
على صياغة أحداث درامية من الخيال، فالشاتم ليس محمـد سعد والمشتوم لن يكون إلا الشخصية المقابلة وفق السيناريو. وبذلك وجب تنزيه الممثل عن البذاءة موضوع هذا المقطع.

ولتأكيد أن تداخل السياقات والذي جمعه، كما ذكرنا آنفا، آلتمان في مصطلح الأنترميدياليتي، الذي يذهب بصنّاع المحتويات السمعية البصرية إلى انعدام القيود الأخلاقية. وهذا ما نجده في المقطع الثاني. في هذا المقطع المستقى من إحدى خطب الجمعة من أحد المساجد، يظهر فيه الإمام شاتما، وبالصيغة البذيئة نفسها، ليعيد المقطع الجزء الموسيقي لأم كلثوم ليكمل المعنى بتحديد المخاطب المشتوم. والإمام السوداني محـمد مصطفى عبد القادر، تداول له عدّة مقاطع فيديو يقوم باستعمال صيغة الشتم ذاتها على المنبر. وبالاطلاع على بعض مضامين بعض الخطب واللقاءات المصورة يتبين عموما أن الإطار، موضوع الشتم، يندرج في وسط صراع فكري ديني مع بعض الخصوم في علاقة بالاتجاه السلفي. ورغم أن تصرّف الإمام يبقى دون مستوى اللياقة والأدب حتى بالنسبة للمخاصمة واختلاف الآراء، إلا أن استعمال ذلك في الفيديو كان بغرض فكاهي ذميم وتعميم التفاهة والابتذال، هذا من جهة. من جهة أخرى، فاستحضار صورة هذا الإمام في صياغة هذا المحتوى يضيف شخصه وصورته إلى ضحايا الاستهلاك الرقمي والتفاهة. والوقوف عند هذا المثال ينتهي إلى بنية متكررة من مقاطع الشتم والقذف تلي كل واحدة منها مقطع أغنية أم كلثوم. حتى إن أحد المقاطع تصور جديا، وهو حيوان بري، يبصق عافاكم الله على شخص نكرة يضاف إلى الإمام والممثل، ويشتركون جميعا في صدر هذه التركيبة المشينة التي تقحم فيها أغنية أم كلثوم.

المثال الثاني، يمثل مقطعا من كوبليه ومطلع ولازمة من أغنية معروفة للمغني الشعبي المصري عبد الباسط حمودة تحمل عنوان أنا مش عارفني (صورة رقم 2). القراءة الأولى للمثال يظهر النص المكتوب أسفل شاشة اليوتيوب"” أول مره أم كلثوم تغني أبص لروحي فجأه #أكله_تقيله ذكاء_اصطناعي أم_كلثوم كوكب_الشرق". وهذا النص الوصفي للفيديو الذي يحمل الوظيفة المرجعية للصفحة الناشرة للمثال يجمع في الوقت نفسه، المصدر الأصلي للأغنية والمغنية المفعول بها ووصفها إضافة إلى وسيلة العمل مع ملاحظة تخص صانع المحتوى تحمل تصنيف الفيديو في خانة السخرية والفكاهة.

صورة رقم 2 : فيديو أم كلثوم تغني أغنية عبد الباسط حمودة على اليوتيوب

بالنسبة للأغنية، الثابت هنا أن البنية والمكونات الأساسية والتنفيذ الآلي والكلمات، وهو جزء كبير من المكونات الموسيقية، لم يتغير ولم تشوبه أي شائبة من تغيير أو تشويه. فعلى غرار قالب البارودي أو المحاكاة الساخرة والهزلية للأغاني والتي غالبا ما تبقي على اللحن أو التوزيع تقوم بتغير الكلمات في محتوى كوميدي فكاهي. في هذي الحالة، وباستعمال الذكاء الاصطناعي يذهب الفيديو إلى الخاصية الأصعب، وهي طابع صوت المغني، ليجعله ناطقا بأغنية فنان آخر. بل ويذهب باللقاء إلى جمع الأموات بالأحياء. ولكن في هذا المثال، يبدو الجمع بين صوت أم كلثوم، الذي هو وكما ذكرنا آنفا، الذي يتميز بانتمائه إلى نوع متقن وراقي من الأداء، بالموسيقى الشعبية بصورة خاصّة مثيرا للتساؤل. الملاحظ هنا أن بنية الأغنية ومحتواها من لحن وكلمات يأتي في صورة متكاملة. بمعنى أن الأغنية بذاتها تتقدم على أنها مسجلة في إطار جمالية موسيقية معاصرة على مستوى عناصرها الموسيقية وانتماءها والمغني الأصلي إلى قالب موسيقي قائم الذات. في الاتجاه نفسه ، يكفي الاقتراب قليلا من هذه الأغنية بصوت أم كلثوم أو عبد الباسط حمودة، حتى نميز وجود فكرة إيقاعية لحنية أدائية منظمة مع كلمات ذات وحدة معنوية واضحة، ويبقى الحكم على المستوى الجمالي نسبي حسب الأطر والأذواق. إلا أنه وبالنظر إلى المثال السابق، يتقدم هذا المثال في القيمة والاحترام للشخصية الاعتبارية للست. ورغم أن مجال هذا المقال لا يسمح بعرض التفاصيل التي تتكون منها الأغنية من تناول لحني ومقامي وقفلات ولازمات وتوزيع موسيقي وانتقالات الطبقات وزخارف وعرب صوتية وعلاقة بين اللحن والكلمات وتغيير الخلايا الإيقاعية وغير ذلك من مكونات اللغة الموسيقية، فإن الواضح للسامع أن الموجود في الأغنية هو ما غناه المغني الأصلي بتغيير طابع الصوت إلى أم كلثوم.

في المقابل، انطلاقا من هذه القراءة، فلو أن طابع صوت أم كلثوم استعمل في غناء أغاني موازية للمستوى الأدائي والجمالي نفسه قد يتوجه المقطع إلى جانب من الطرافة أكثر احتراما وأقل سخرية. وهنا نلاحظ استعمال الاختلاف الكبير بين أم كلثوم، موسيقى ومستوى واعتبار من جهة، وعبد الباسط حمودة، من جهة أخرى، يعد الوسيلة المحورية للفكاهة. واستعمال الأضداد بغرض السخرية يعد آلية درامية مستعملة، والأمثلة كثيرة. كأن يصدر صوت بنت من رجل ضخم البنية أو أن تدخل شخصية أنيقة ديكور أو منطقة متسخة، محل فحام، غيط أو ما شابه ذلك.

بالنسبة للصورة، الأكيد أنه إضافة للعملية التقنية الأولى التي غيرت صوت عبد الباسط حمودة بصوت أم كلثوم باستعمال نوع مطور من السامبلينج، تم صنع مونتاج مع مقطع فيديو مقتطع من سياقه. مقطع الفيديو يظهر فيه جزء من حفل لأم كلثوم على قناة  روتانا كلاسيك. وتظهر في الصورة المغنية الراحلة متصدرة الشاشة متقدّمة على فرقتها الموسيقية على أحد المسارح. وقبل الخوض في التفاصيل البصرية والفيلمية لمحتوى الفيديو وجب الاتجاه سريعا نحو الأمر المحسوم بالمنطق. العملية التقنية المستعملة هنا ليست صناعة محتوى سمعي بصري بقدر ما هي عملية مونتاج ودمج للأغنية مع مقطع فيديو موجود مسبقا. انطلاقا من ذلك، فكل محتوى الصورة يعتبر أصليا وليس صناعة حديثة بل إنه قد يكون، بل هو في الأصل فيديو لأغنية من أغاني أم كلثوم مسجلة وموثقة ومعروضة على القنوات التلفزية ومنها القناة التي يظهر شعارها أعلى الشاشة على اليمين.

بالنسبة للجانب البصري فالمكونات تنقسم إلى ثلاث أجزاء رئيسة: الجزء الأول يخص الشخصيات البشرية والحديث هنا عن المغنية والعازفين وهم في حالة حركة طبيعية. ووجب الإضافة أن العازفين الموجودين كما المغنية هم شخصيات حقيقية أصلية. الجزء الثاني يقدّم المكونات التي تخص الإطار من ديكور وإكسسوارات. وهنا تبدو الآلات والميكروفون و مكونات المسرح من ستار وخشبة حقيقية وتنتمي حتما إلى مرجع معروف وموثق. الجزء البصري الثالث يخص بعض الإضافات على الصورة تخص القناة التلفزيونية من شعار وعنوان أعلى الصورة. وفيما يخص الجانب الفيلمي، فالتفاصيل قليلة ولكن مهمة. في هذا الجانب ترجع قلة التفاصيل الفيلمية إلى بساطة تقنيات التصوير وذلك لأن الحفل يعود تصويره إلى فترة تاريخية لم تكن فيه التقنيات متطورة وغنية بالإمكانيات. لذلك، نلاحظ أن الصورة دون ألوان والكاميرا مثبتة واللقطة واحدة ومتواصلة دون تغيير يذكر. ورغم قلة التفاصيل فإن الفيديو يؤدي بطريقة ناجحة الوظيفة المرادة منه. وهو أحداث تمويه وكأن الفرقة والمغنية بصدد أداء الموسيقى المسموعة بما يسمى ميوزيك أون في السينما، وهو أن يكون مصدر الصوت موجودا على الصورة.

المثال الثالث، يقدم موسيقى أم كلثوم باستعمال تقنية حديثة مختلفة. انطلاقا من حفل حي أقيم في مهرجان موسيقي مغربي أحيته أم كلثوم. قد تكون هذه المعطيات نوعا من السخرية في وقت ماض، ولكن تقنية الهولوغرام اليوم تمكّن من استحضار صورة متحركة من الفنانة على الركح. هذه الصورة المتحركة تعطي وهما بصريا إذا أدمج مع الموسيقى يمكّن الجمهور من مشاهدة صورة ثلاثية الأبعاد لجسد المغنية. ولزيادة القرب من الحقيقة رغم استحالة العودة من الموت، تقف صورة أم كلثوم أمام فرقة موسيقية حقيقية تقوم بعزف افتراضي بطريقة البلاي باك. من أجل الاقتراب بطريقة أسرع من موسيقى أم كلثوم عبر تقنية الهولوغرام ولتنويع الأمثلة، نذهب عبر تقرير إخباري عن هذا العرض في مهرجان موازين المغربي وذلك لمجموعة من الأسباب. السبب الرئيسي أن العرض نفسه موسيقيا لم يكن فيه مفاجآت أو متغيرات لأن الأغاني المقدمة هي معروفة كلمة ولحنا وأداء. أما بالنسبة للصورة فتحليلها لن يمكننا من معلومات كثيرة لا سيما وأن الهولوغرام من جهة والعزف بالبلاي باك يقدم صورة متكررة تتابع مسار الأغنية المعروفة لدينا. في مقابل ذلك، التقرير الصحفي يقدّم تقاطع موسيقى أم كلثوم مع التقنية بطريقة تستحق الوقوف عندها في علاقة بالجانب الإعلامي.

التقرير التلفزي يأتي من قناة إخبارية مغربية والحديث عن العرض يأتي في متابعة لحدث موسيقي ثقاقي في البلد الذي تخاطب فيه القناة مشاهديها وهو مهرجان موازين المغربي في نسخة سنة 2024. قراءة هذا التقرير في سيره الثنائي صوتا وصورة يعتمد المنهج نفسه المعتمد في المثالين السابقين. والمقصود أن فيديو التقرير يتكون
من مجموعة من المعطيات الصوتية وأخرى مرئية وفيلمية. الجانب الصوتي ينقسم إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول يطغى عليه صوت المعلق الذي وإن غابت صورته، فإن صوته يعلو من حيث القوة ويسيطر من حيث الوقت المخصص له. في المستوى الثاني، نجد آراء بعض الجمهور وذلك بالصوت والصورة. وفي المستوى الثالث نجد بعض مقتطفات موسيقية من العرض. يتدخل صوت المعلّق في كامل أجزاء الفيديو فهو يقدم الموضوع ويتوسط التقرير ثم يختمه بصوته. أما وجود الصوت دون الصورة فلا ينقص من أهميته لا سيما وأن الجزء الرئيس من دوره يكمن في الكلام والمعاني التي يقدمها. وهنا، يقول المعلق : "بفضل تقنية الهولوغرام، ثلاثية الأبعاد، أطلت كوكب الشرق أم كلثوم للمرة الثانية على الجمهور المغربي بعد أن غنّت فيه أجمل أغانيها قبل سته وخمسين عاما" الملاحظ في هذه المداخلة الأولى التركيز المطلق على عرض المعطيات والتي تشمل التعريف بالحدث والتقنية التي يدور حولها الحفل إضافة إلى الإطارين الزماني والمكاني. بالنسبة للوظيفة التي يقوم بها المعلق فإن سرد المعطيات بطريقة موضوعية تندرج في إطار مرجعي بحت. في المداخلة الثانية للمعلق، وإن واصل في عرض بعض المعطيات المرجعية أطنب في تقديم آراء وانطباعات ذات بعد عاطفي وشخصي. فيقول:"... عشاق سيدة الغناء العربي...حجوا بكثافة...معانقة الفن الأصيل..." وهذا العرض العاطفي يعتبر مقبولا في الإطار الصحفي.

بالنسبة للجانب الموسيقي، فإن الأغنية قد عرضت في إطار تلخيص متقطع من بعض المازورات من الغناء. وبالتحديد فقد ظهر الصوت الموسيقي باهتا وأما الغناء فقد اقتصر على كلمة واحدة من الأغنية الطويلة " اللي شفتو". وللذهاب سريعا نحو صلب الموضوع، فإن سياق الموسيقى في التقرير الإخباري يبقى ثانويا رغم أنه الحدث الموضوع. ولكن الجوانب المرجعية تطغى باعتبار أن التلفزيون يحتفظ لنفسه ببرامج أخرى تخصص كليا للموسيقى. وهنا فإن الحدث ليس الموسيقى بحد ذاتها ولكن التقنية والمهرجان والتنظيم وغير ذلك من المكونات الجانبية للموسيقى. وهو أمر ليس بحديث خاصة في لقاء الموسيقى بمفهوم النجومية الذي يقدم تفاصيل تخص حياة المغنين على حساب الموسيقى نفسها. في السياق نفسه، فإن الإطار التلفزي الإخباري يجعل من الموسيقى التي هي موضوع التقرير تتحول إلى موسيقى تصويرية ذات وظيفة ثانوية. يبدو أن قلة المعطيات الموسيقية في هذا المثال لافتة للاهتمام، ولكن، علينا الانتباه خاصة بالنسبة للموسيقيين والباحثين في المجال الموسيقي، أن هناك حتما مجالات تكون فيها المكونات الموسيقية بسيطة وقليلة وتكاد تكون منعدمة وثانوية. وهذه المجالات لا تقدم الموسيقى كمادة أولية مسيطرة ولكن كجزء مكون له وظيفة محددة الزمن. هنا تأتي الموضوعية وحسن اختيار المنهج المناسب لكل مقام وسياق كما هو الحال هنا.

خاتمة

قبل العودة إلى أهم التمثلات والمراحل التي يتطرق إليها هذا البحث، وجب الوقوف والتنويه ببعض الملاحظات حول الإشكالية العلمية والمنهجية المتبعة وأهم النتائج. بداية، نتبين من خلال هذا المقال أن هناك سؤالا مهما يطرح نفسه في علاقة بالموسيقى والتقنيات الحديثة. هل يجب على الموسيقيين البحث في كل مواطن الموسيقى؟ فهل أن مواطن بث الموسيقى كالبرامج التلفزية وغيرها هي مجال يهم الموسيقيين أو لا؟ أيضا، في صورة أن بعض الإنتاجات الموسيقية قد لا ترتقي إلى حد أدنى من القيمة الفنية والجمالية، فهل هناك فائدة في دراستها؟  وقد ينتهي الأمر برفض الخوض في بعض المباحث التي تخفض في مستوى الموسيقى ولكن وجب التفريق بين الموسيقى كممارسة من جملة أهدافها الارتقاء بالذوق العام، مقابل ذلك فإن البحث في الموسيقى يذهب أين ما تكون الأنغام والإيقاعات ولا يتعفف عن الخوض في مواطن الازدراء، حاله كحال مجمل العلوم.

في جانب آخر، لعل أهم معطى يمكن الخروج به من خلال هذا المقال، بالتوازي مع الإشكالية المركزية محور النقاش، هو الجانب المنهجي. إن البحث في مجال العلوم الموسيقية ينطلق في عموم ممارسته من اعتبار الموسيقى هي المعطى الأساسي والجوهري للدراسة. وفي المقابل فإن المجال الموسيقي يجب عليه طوعا أو كرها الانتباه إلى أن البحث في الموسيقى يبقى مجال مفتوح كما ذكر ذلك أب علم الموسيقى الفرنسية الكاتب الفرنسي (شايي، 1910-1999). وتحديدا إمكانية طرح مباحث داخلية كأن يكون البحث الموسيقي مجال تخصص، يكتبه الموسيقيون ويقرأه الموسيقيون أيضا. ولكن، هناك مجالات مفتوحة يغامر فيها الموسيقيون في مواطن بعيدة ومتداخلة يمكن أن تكون الموسيقى ثانوية وغريبة نوعا ما كما هو الحال بالنسبة لهذا الموضوع. الثابت هنا أن دراسة المواد الموسيقية تتطلب منهجيات مناسبة للإشكاليات المطروحة، فلا يجب إسقاط منهجية ثابتة على كل تحليل للموسيقى. وكمثال، ما الذي سيفيد إذا قدمنا عرضا مفصلا للتناول المقامي والإيقاعي لمقطع من أغنية أم كلثوم في حين أن البحث يذهب للتحقق من عبثية إدراج صوت أم كلثوم في مادة ساخرة للاستهلاك الرقمي.

إذا ما تأكدنا جدلا، رغم أن الأمر ثابت بالواقع واليقين أننا اليوم أمام موسيقى مختلفة ومتغيرة من حيث المفاهيم كأن يطغى مفهوم الترفيه على الجوانب الجمالية في لغة الموسيقى ذاتها. ويأخذ هذا المفهوم؛ أي الترفيه جانبًا مهما في عصرنا الحالي بحيث تسخر جميع الإنتاجات الفنية وجميع الأدوات الإعلامية لإنتاج عروض مختلفة تستجدي وترضي ذوق الجمهور من أجل الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الانتباه. وتبعا لذلك، فإن ظهور الإنترنت غيّر في شكل ومحتوى الموسيقى وكرّس صورة الموسيقى والموسيقيين وقدّم مفهوما جديدا لصناعة الموسيقى وذلك بإبداع تمثلات حديثة تطرح العديد من الإشكاليات. إذ أن تقاطع التلفزيون والإنترنت من جهة، والموسيقى والتنوع الثقافي والتقنيات الحديثة في الاتصالات والمعلومات من جهة أخرى، جعل من الحدود الثقافية أكثر انفتاحًا وهو ليس بالضرورة جيّدا بالضرورة.

ولعل من أهم نتائج هذه الثورة الرقمية أو بالتحديد هذا النظام الأنترميديالي تغيير صورة الموسيقى وتغيير نظم التقييم الجمالي وانهيار السلط الرقابية التقليدية نحو الاستهلاك الرقمي للموسيقى وفق القياس الكمي الألغوريتمي. من هنا تندرج هذه الإصدارات الموسيقية الهجينة موضوع المقال. وأهم ما يمكن ذكره أن هذا النوع
من الإصدارات الموسيقية، التي لا يمكن إنكار وجودها رغم انعدام أدنى مستويات الجودة، تطال بكل حرية رموز الموسيقى العربية كما هو حال أم كلثوم.

من وجهة نظر موضوعية، قد يصعب تلقين الجيل الحديث من المستمعين والمشاهدين للموسيقى أهمية أم كلثوم كمثال لنوع موسيقي يقدم تقنية وجمالية فريدتين، ولكن، استرجاع بعض من هذه الموسيقى في استعمالات هجينة قد يمكّن من إعادة الانتباه لهذا النوع من الإبداع الذي قد يفرض قيمته كبديل للواقع الذي يتميز بتنوع وكثرة الموسيقى الاستهلاكية الضعيفة تقنيا وجماليا وانعدام إنتاجات موسيقية معاصرة قادرة على المنافسة الرقمية.

 

 

 

 

المراجع

 

بيبليوغرافيا

  • فتح الله، إيزيس، و كامل، محمود. (2001). أم كلثوم. دار الشروق.
  • Aubert, A. (2023). Une information brute ?. INA.
  • Authelain, G. (1986). La chanson dans tous ses états .Van de Velde.
  • Bourdieu, P. (1996). Sur la télévision. Raison d’agir Éditions.
  • Chion, M. )1985(. Le son au cinéma. Édition de l’Etoile.
  • Châteauvert, J. (2016). Les frontières de la fiction. Réseaux 2 (196). La Découverte.
  • Deneault, A. (2014). La médiocratie. Lux Édition.
  • Hakim, N. et Dufourcet, M. B. (1991). Guide pratique d’analyse musicale. Édition COMBRE.
  • Henni-Chebra, D. et Poche, C. (1986). Les danses dans le monde arabe. Édition L’Harmattan.
  • Jargy, S. (1971). La musique arabe. P.U.F.
  • Metz, C. (1968). Essai sur la signification au cinéma (tome 1). Klincksieck.
  • Mondzain, M. J. (2002). L’image peut-elle tuer ?. Bayard.
  • Pucheu, D. et Matthews, J. (2006). Les Enjeux de l'information et de la communication. Gresec.
  • Serre-Floersheim, D. (1993). Quand les images vous prennent au mot, ou comment décrypter les images. Les Éditions d’Organisations.
  • Tazdaït, F. (2019). Oum, une voix qui porte..., Topique 145 (1). pp.125 -140
  • https://www.youtube.com/watch?v=ihohOd67upQ
  • https://www.youtube.com/watch?v=YLBY7rsz9Bo
  • www.youtube.com/watch?v=jIs8FnPSKsg

Cite this article

GHDEMSI, I. (2025). موسيقى أم كلثوم والتقنيات الحديثة. التراث الموسيقي والأطر الحديثة : أي صورة وأي موسيقى وأي منهج؟. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 03(05), 49–71. https://turath.crasc.dz/en/article/altrath-alfny-almwsyqy-bmdyna-tstwr-altwnsya-mqarba-ajtmaaya-wfnya