التراث المـــــــــــــــــــادي واللامـــــــــــادي في الجنـــــــــوب الغربي الجزائري: تقرير علمي حول تظاهرة "بني عباس ... ذاكرة الساورة ونبض الإبداع"

لعربي بن عمارة (مؤلف)
Centre de rechercne en anthropologie sociale et culturelle.
105 – 109
الجنوب الجزائري: اﻟﺬاﻛﺮة، اﻟﺘﺮاث واﻟﺮﻣﺰﻳﺔ
ع. 7 — م. 4 — 30/06/2026

لعربي بن أعمارة [1]

احتضنت ولاية بني عباس فعاليات الاحتفال الوطني والرسمي برأس السنة الأمازيغية يناير 2976، ومراسم توزيع جائزة رئيس الجمهورية للأدب واللغة الأمازيغية في طبعتها السادسة، وذلك أيام 10-11-12 جانفي 2026. وفي هذا الإطار، تم تنظيم يوم دراسي موسوم بـ: "بني عباس ... ذاكرة الساورة ونبض الإبداع"، بقاعة المحاضرات التابعة للمجلس الشعبي الولائي.

وقد جاء تنظيم هذا اليوم الدراسي في إطار التعاون والشراكة العلمية بين المحافظة السامية للأمازيغية ومركز البحث العلمي والتقني في علم الإنسان الاجتماعي والثقافي، حيث كان يهدف بشكل أساسي إلى تعزيز البحوث والدراسات حول التراث الثقافي المادي وغير المادي بالجنوب الغربي الجزائري. وشهدت هذه التظاهرة العلمية محاضرتين علميتين وثلاث جلسات نقاشية.

استُهل هذا المحفل العلمي بكلمة افتتاحية قدّمها الأستاذ عمار مانع، مدير مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية، أكد فيها على ضرورة إيلاء أهمية خاصة لتثمين التراث المادي واللامادي، وتعزيز البحث في الثقافة والتراث الأمازيغي في الجزائر عمومًا، وفي إقليم الساورة على وجه الخصوص.

وفي السياق ذاته، نشّط المحاضرة الأولى الأستاذ محمد الهادي حارش، قدّم خلالها شرحا علميا تناول الأسباب التاريخية والثقافية للاحتفال بيناير، كما عاد بالتفصيل إلى تاريخ تقويم الفصول في مختلف مناطق آسيا وإفريقيا، مع التركيز على مناخ شمال إفريقيا والآليات التي ابتكرها الإنسان للتكيف مع الطبيعة. وخلص المحاضر إلى أن الاحتفال بيناير يُعد في جوهره احتفالًا بنهاية الأيام الصعبة، كما يمثل أحد أوجه التضامن المجتمعي بشمال إفريقيا.

أما المحاضرة الثانية، فقد كانت من تقديم الأستاذ محمد لحسن زغيدي، الذي انطلق من العمق التاريخي والحضاري لبني عباس، توات، قورارة، تندوف، وغيرها من مناطق الجنوب الغربي الجزائري، مبرزًا الإسهامات الكبيرة لساكنة المنطقة في الهندسة المعمارية، حيث تحمل أغلب القصور أسماء أمازيغية، وقد شُيّدت منذ ما يفوق ألف سنة. كما أشار إلى الإبداع في المجال الزراعي، مؤكدا أن يناير يجمع الجزائريين حول وحدة التصور في الأصالة والبناء والتطور، وأن الأمن الاقتصادي في الواحات واستمرارية الحياة في الجنوب ما كانا ليتحققا لولا الإبداع والتكيف مع الطبيعة.

وعلى مستوى الجلسات العلمية، ترأس الجلسة الأولى الأستاذ فريد بن رمضان، حيث تمحورت مداخلاتها حول مختلف أشكال الموروث الثقافي المادي وغير المادي في بني عباس. فقدّم الأستاذ بلنوار عليّ مداخلة حول "الديناميات البيوثقافية في الصحراء"، تناول فيها تقنيات النظام الزراعي-البيئي في واحات النخيل، وتلال منطقة إقلي الجنائزية بوصفها رصيدا ثقافيا متميزا، يظهر من خلال الأسماء الأماكنية بالتشلحيت، مثل قصور إقلي، الواتة وأمّاس، التي حافظت على ممارساتها الثقافية ذات البعد الأمازيغي. أما المداخلة الثانية، فكانت من تقديم الأستاذ بن العربي العربي، وتضمنت دراسة سوسيو-ثقافية وهندسية للفقارات في بني عباس، باعتبارها نموذجا للإبداع في اقتصاد الماء والتوزيع العادل لهذا المورد الحيوي في الصحراء. في حين جاءت المداخلة الثالثة من تقديم الأستاذ مرزوقي تهامي، الموسومة بـ "مرحومة: سجلات صخرية وحفريات لدراسة أقدم التعبيرات الثقافية الأمازيغية"، حيث أكد وجود تراث ثقافي أمازيغي يعود إلى عصور ما قبل التاريخ، يتمثل في نقوش صخرية بحروف التيفيناغ بموقع "مرحومة"، الواقع على بعد 30 كلم من عاصمة الولاية. واختُتمت الجلسة بمداخلة الأستاذ عبد الرحمن بلاغ، التي تمحورت حول قصور الواتة من خلال تراثها ودراسة أسمائها، مبرزًا التراث المادي المتمثل في المخطوطات والقصور (قصر بوحديد، أمّاس، أنفيذ، أقدال، بوخلوف، والبياضة)، إلى جانب التراث غير المادي الذي يشمل التعبيرات الفنية المرتبطة بالمناسبات الاحتفالية، والمتمثلة في رقصة الماية، الرسمة، والحضرة بالزاوية الكرزازية.

وفي الجلسة الثانية، التي ترأسها الأستاذ محند زردومي، قدّم الأستاذ خلفي عبد الغني المداخلة الأولى، التي تناولت دور وأهمية التراث الشفوي في تعزيز الهوية الثقافية وترسيخ الانتماء الجماعي بالجنوب الغربي الجزائري. واستعرض المتدخل أنماط التراث الشفوي التي تزخر بها بني عباس، مع التركيز على مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وما يصاحبها من أنشطة ثقافية ودينية تُمارس بصورة جماعية واحتفالية، مبرزا وظائفها الرمزية والاجتماعية في دعم التماسك الاجتماعي والحفاظ على الخصوصية الثقافية للمنطقة.

تلتها مداخلة الباحث لعربي بن أعمارة، التي تمحورت حول دور التنوع الثقافي في تحقيق التنمية المستدامة بالجنوب الغربي الجزائري، حيث خلص إلى أنّ الاستثمار في التراث الثقافي وتطوير السياحة المستدامة، إلى جانب تنمية المورد البشري، من شأنه الإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة، مع صون الخصوصية الثقافية للمنطقة، مؤكدا على أهمية الترويج السياحي وتوثيق التراث الثقافي لضمان استدامته.

وفي السياق ذاته، تمحورت المداخلة الثالثة حول دور الإعلام في الترويج السياحي للثقافة المحلية، حيث أبرزت الباحثة نجاة لحضيري أهمية وسائل الإعلام بمختلف أشكالها في التعريف بالموروث الثقافي المحلي والمقومات السياحية لولاية بني عباس، إلى جانب دورها في بناء صورة إيجابية عن المنطقة وتعزيز جاذبيتها السياحية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية، لا سيما من خلال الإعلام المحلي والمنصات الرقمية.

أما الجلسة الثالثة، فقد ترأسها الأستاذ بلغراس عبد الوهاب، واستُهلت بمداخلة قدّمها الأستاذ سعودي عبد الكريم، تناول فيها دور الحكاية الشفهية في تعزيز الأمن النفسي والروابط الاجتماعية لساكنة الساورة خلال الفترة (1970-2000م). وأوضح أن الحكاية الشعبية، المعروفة محليًا باسم "المحاجية" أو "الحجيّ"، تُعد موروثا ثقافيا شفهيا غنيا، مبرزا دورها في تقوية صلة الرحم، صون الهوية، تعزيز القيم المجتمعية، والمساهمة في التنشئة السليمة للأطفال، إلى جانب دورها في تحقيق الأمن النفسي من خلال بناء الثقة بالنفس وتشجيع الإقبال الإيجابي على الحياة.

تلتها مداخلة الأستاذ تاجر مراد، التي تناولت اللغة الأمازيغية بوصفها حاملًا للتراث اللامادي من منظور أنثروبولوجي في بناء الهوية، حيث ركّز على اختلاف السياقات والتوظيف اللغوي لأسماء الأماكن في منطقة الساورة، وما يعكسه ذلك من علاقة وثيقة بين اللغة والهوية الثقافية، إضافة إلى إبراز التنوع الثقافي واللغوي والإنساني والجيولوجي في الجنوب الغربي، وما يحمله من دلالات على غنى التراث الأمازيغي وأهميته في تعزيز الانتماء المجتمعي.

واختُتمت أشغال اليوم الدراسي بالمداخلة الختامية التي قدّمها البروفيسور فريد بن رمضان حول "طوبونيميا منطقة الساورة"، حيث تناول الأبعاد التاريخية واللغوية والهوياتية لأسماء الأماكن، مؤكدا أن الطوبونيميا تُجسّد العمق الإفريقي للجزائر، وأنّ أسماء الأماكن تحمل ذاكرة لغوية عميقة تمتد لآلاف السنين. كما أشار إلى الغنى الكبير للخريطة الطوبونيمية الجزائرية، موضحًا أن عدد أسماء الأماكن يُقدّر بالملايين، في حين لم يتم تسجيل سوى عدد محدود منها، مما يستدعي تكثيف الجهود البحثية في هذا المجال. وخلص إلى أن وحدة الدلالة الطوبونيمية عبر مختلف مناطق الجزائر تجعل من الأمازيغية عاملا حاميا للوحدة الوطنية، وأن ركائز الهوية الوطنية تتكامل لتؤدي إلى غاية واحدة، سماها بـ "الجزائريتية" (l’algérianité) بوصفها تجسيدا لجزائر التنوع في إطار الوحدة.

وفي ختام أشغال اليوم الدراسي، شهدت الجلسات نقاشًا علميًا ثريًا، جرى خلاله التأكيد على عمق التاريخ الجزائري وأصالته، وتنوّع تراثه الثقافي وامتداده الإفريقي،إلى جانب إبراز الموروث الشعبي بالجنوب الغربي وعلاقته بالهوية الوطنية، مع التطرّق إلى آليات الحفاظ على الموروث الثقافي واللغة الأمازيغية، باعتبارهما عنصرين أساسيين في صون الخصوصية الثقافية وتعزيز الانتماء.

[1] مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC، 31000، وهران، الجزائر

Cite this article

BENAMARA, L. (2026). التراث المـــــــــــــــــــادي واللامـــــــــــادي في الجنـــــــــوب الغربي الجزائري: تقرير علمي حول تظاهرة "بني عباس ... ذاكرة الساورة ونبض الإبداع". Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 4(7), 105–109. https://turath.crasc.dz/en/article/altrath-almady-wallamady-fy-aljnwb-alghrby-aljzayry-tqryr-almy-hwl-tzahra-bny-abas-dhakra-alsawra-wnbd-alibdaa