ديناميّة المصطلح الريَّاضي في مقدّمة اِبن خلدون بين اللّغة والشريعة والعلوم الخفيَّة

عماد محنان (مؤلف)
University of Jendouba, Tunisia
85 – 104
الجنوب الجزائري: اﻟﺬاﻛﺮة، اﻟﺘﺮاث واﻟﺮﻣﺰﻳﺔ
ع. 7 — م. 4 — 30/06/2026

 

عماد محنان [1]

ملخّص

أبرزت مقدّمة اِبن خلدون جانبا من دينامية المصطلحات الرياضيّة داخل خارطة المعرفة العربيّة الإسلاميّة. ونهتمّ في هذا العمل برصد مسالك حركة المصطلح الرّياضي بين المعارف كما وصفها اِبن خلدون في مقدّمته. ولئن كانت المقدّمة لا تفي بمسح شامل لخارطة المعرفة من جهة دراسة حضور علوم التّعاليم في مجالات المعرفة المختلفة، فإنّنا نسعى إلى النّظر في المنهج الذي اِتّبعه اِبن خلدون في تفريع العلم الرّياضي في "المقدّمة"، مرورا بإسهامها في علوم اللغة والعلوم الشّرعيّة والعلوم الخفيّة. ويخلص هذا البحث إلى مقاربة نقدية للمنظور الذي تناول به مؤلف المقدّمة عالم العمران البشري وتداخل العلم الرّياضي مع علوم اللّغة والعلوم الشرعية والعلوم الخفيّة معتمدين ملاحظة دينامية المصطلح الرياضي والتحوّلات المفهومية التي يخضع لها المصطلح في هجرته بين الحقول.

الكلمات المفتاحيّة: مصطلح رياضي، دينامية، عمران بشري، تصنيف، علوم خفيّة.

Abstract

The Dynamics of Mathematical Terminology in Ibn Khaldun’s Muqaddimah : Between Language, Sharia, and the Occult Sciences

Ibn Khaldun’s Prolegomena highlighted an aspect of the dynamics of mathematical terms within the edifice of Arab-Islamic knowledge. In this work, we focus on observing the pathways of mathematical terms circulating between different fields of knowledge, as described by the author. Although the Prolegomena does not provide a precise overview of the knowledge landscape in terms of the presence of mathematics in various domains, we seek to examine the methodology Ibn Khaldun employed to integrate mathematical science throughout his work, including its contribution to the development of linguistics, religious sciences, and occult sciences. This research aims to offer a critical perspective on the autor’s view of human urbanism, examining the interaction of mathematics with linguistics, religious sciences, and occult sciences based on observing the dynamics of mathematical terms and the conceptual transformations they undergo in their migration between these fields.

Keywords: Mathematical Terms, Dynamics, Human Urbanism, Classification, Occult Sciences.

Résumé

La dynamique du terme mathématique dans la Muqaddima
d’Ibn Khaldoun : entre langue, charia et sciences occultes

Le Prolégomène d’Ibn Khaldoun a mis en évidence un aspect de la dynamique des termes mathématiques au sein de l’édifice du savoir arabo-islamique. Dans ce travail, nous nous intéressons à observer les voies de circulation du terme mathématique entre les connaissances, telles que décrites par l’auteur. Bien que la Prolégomène ne fournisse pas un constat précis du paysage du savoir en termes d’étude de la présence des mathématiques dans les différents domaines de la connaissance, nous cherchons à examiner la méthodologie suivie par l’auteur pour ramifier la science mathématique dans son œuvre en passant par sa contribution au développement des sciences du langage, aux sciences religieuses et aux sciences occultes. Cette recherche tend à réaliser une approche critique du point de vue adopté par l’auteur sur l’urbanisme humain, examinant l’interaction des mathématiques avec les sciences du langage, les sciences religieuses et les sciences occultes, en se basant sur l’observation de la dynamique du terme mathématique et les transformations conceptuelles auxquelles le terme est soumis dans sa migration entre les champs.

Mots-clés : Le Terme mathématique, La Dynamique, L’urbanisme humain, La Classification, Les Sciences occultes

مقدّمة

اِستند تصنيف العلوم العربيَّة في العصر الوسيط إلى معيار وظيفي أو لنقل "أداتي" يقسّمها إلى علوم غايات، وعلوم وسائل، تلك هي الحدود التي أمكن لإبستيميَّة العصر الوسيط أن تتحرّك داخل أفقها، ولكنّ المصطلح الريَّاضي لم يلتزم صرامة الميكانيزمات الضابطة للحدود بين العلوم داخل خارطة المعارف، وقد أقامت مقّدمة اِبن خلدون الدليل على حركيَّته داخل تلك الخارطة، وقد لا يكون متأتيًّا لمدوّنة غير "المقدّمة" أن تقف موقف الشاهد على ديناميَّة المصطلح الرّيَاضي، وذلك نظرًا إلى موسوعيَّة الفكر الخلدوني وإلى اِستثمار العلم الرياضي في كثير من مجالات النّظر والعمل. ويتعلّق هذا البحث بحركة المصطلح الرياضي داخل نسيج مصطلحي يختزل شبكة العلائق العلميَّة بين المعارف في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، لذلك لابدّ من تحديد اِتّجاهات حركته أو توزيعيَّته داخل خارطة هذه الثقافة. ويستلزم ذلك النظر في منزلة الرياضيَّات ومعايير تعريف ثنائيّة المنحى من جهة الموضوع ومن جهة الوظيفة.

فمن جهة الموضوع اُعتمد معيار الاِنفصال والاِتّصال للتمييز بين الحساب وموضوعه الكمّ المنفصل وهو العدد، والهندسة وموضوعها الكمّ المتّصل؛ أي الموجودات الهندسيّة: الخط والسّطح، الأشكال المجسّمة والعلائق الممكنة بينها، ومن جهة الوظيفة قسّمت الرياضيَّات إلى نظريَّة وعمليَّة.

ويعكس هذا الاِزدواج المعياري اِنتشار المصطلح الريَّاضي بكثافة وحضوره في كلّ حقل معرفيّ يُنتَفع فيه بالرياضيَّات، كالفقه في الفرائض والمواريث، وفي تحديد مواقيت الصلاة، وكعلم المناظر في تفسير ظاهرة الإبصار ونظريّة الإحراق، وفي علم الهيأة وعلم الحيل وعلم الموسيقى، ولكنّ موسوعيَّة النظر الخلدوني اِقتضت توسيع نطاق حركيَّة المصطلح إلى علم اللّغة عودًا إلى نظريّة المعجم الخليليَّة وإلى العلوم الخفيَّة بما تتفرّع إليه من سحر وطلسمات.

وأمام هذا التشعّب، يجب أن نشير إلى أنَّ المقدّمة لا تعكس توزيعيَّة المصطلح الريَّاضي على الخارطة المعرفيَّة العربيَّة الإسلاميَّة بصورة تُغني الباحث في تاريخ العلوم العربيَّة أو تُحقّق له الكفاية، إذ لم تتضمّن "المقدّمة" إلّا صورة مختصرة عن الحركيَّة العلميَّة داخل العلم الريَّاضي ذاته، وعن تطبيقاته في بقيَّة العلوم العقليَّة والشرعيَّة. فخارطة العلوم في "المقدّمة" تقريبيَّة وسلّمها كبير، وهي صورة لا تأتي على جميع الترابطات القائمة بين العلم الريَّاضي وبقيَّة فروع شجرة المعارف العربيَّة الإسلاميَّة، فضلًا عمَّا بين فروع العلم الريَّاضي ذاته.

وهذه الصّورة المختصرة تفي بالغرض من وجهة نظر عالم العمران البشري، إذ ليس مطلوبه حصر النظر في مكوّن معرفي لذاته وإنَّما لبيان وظيفته في حركيَّة العمران وموقعه من صورته العامَّة، وتفاعله مع باقي المكوّنات. ولكنّ "المقّدمة" هامّة لمؤرّخ العلوم من جهتين: من جهة تحديد بعض مسالك الثقافة العلميَّة إلى البيئة العربيَّة الإسلاميَّة، ومن جهة تحديد الملامح الأوليَّة للتداخلات العلميَّة بين العلمين العقلي والشرعي، وتحديد نقاط الاِلتقاء بينهما (الفرائض مثلا)، وإهمال نقطة اِلتقاء العلم الهندسي بالعلم الشرعي (التقويم وتحديد اِتّجاه القبلة ومواقيت الصلاة)، واِلتقاء العلم الريَّاضي بالطبيعي (الإبصار مثلا).

إنَّ الوقوف على منزلة العلم الريَّاضي في مقدّمة العلَّامة اِبن خلدون يتطلَّب رصد مختلف أشكال حضور المصطلح الريَّاضي في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة بدءًا بتصنيف العلوم. ونُعلن عن المراحل التي يقتضي منّا منهجنا أن نقطعها في هذا العمل بحثًا في حركيَّة المصطلح الريَّاضي بدءًا بـ: منهج اِبن خلدون في تفريع العلم الريَّاضي في "المقدّمة"، ثم مرورًا بوظائف العلم الريَّاضي في علوم اللّسان والعلوم الشرعيَّة والعلوم الخفيَّة.

تصنيف العلوم في "المقدّمة"

يحتاج مبحث تصنيف العلوم إلى الثقافة الموسوعيَّة والتبصر بالتقاطعات بين العلوم المختلفة، ولمَّا كانت تصنيفات العلوم زمن اِبن خلدون وقبل ذلك تصنّف العلوم تحت الفلسفة، إذ كان تصنيف العلوم من شواغل الفلاسفة، فاِبن خلدون لا يحيد عن إرث أرسطو والفلاسفة المسلمين مثل الكندي والفارابي واِبن سينا وإخوان الصفا من جهة القول بشمول العلم الفلسفي لسائر العلوم، ولكنَّنا نجد تصنيفات وضعها علماء ليسوا بفلاسفة، ومنهم من لا يُمكن إدراجه في خانة العلماء، كاِبن النّديم صاحب الفهرست، وهو ورّاق، ومنهم واضع المعاجم المتخصّص كأبي عبد الله الخوارزمي الكاتب صاحب "مفاتيح العلوم"، ومنهم علماء الموسوعات كإخوان الصّفا، وكلّ مصنّف يُخضع تصنيفه إلى ما تتطلبه طبيعة شواغله العلميَّة وما يسمح به تكوينه، فاِبن النّديم غايته الفهرسة والتوثيق. وأمَّا تصنيفات الفلاسفة للعلوم فمرتبط بسعة محيط الدائرة الفلسفيَّة واِشتراط تحصيل الفلسفة بتحصيل العلوم وخاصَّةً الريَّاضيات والمنطق، إذ تذكر المصادر أنَّ من مؤلّفات الكندي كتابًا مفقودًا عنوانه: "كتاب رسالته في أنَّه لا تنال الفلسفة إلّا بعلم الريَّاضيات".

فماهي مقاصد المؤرّخ وعالم العمران البشري من تصنيف العلوم؟

من الواجب الإشارة إلى أنَّ المصطلحات الدالَّة على "العلم" في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة متعدّدة، ومنها مصطلح المعرفة (Savoir) والفنّ (Art) والصناعة (Technique)، وجميع هذه المصطلحات متواترة في "المقدّمة" الخلدونيَّة شأنها في ذلك شأن سائر عناصر المدوَّنة العلميَّة والتصنيفيَّة القديمة. تكشف السياقات النَّصيَّة في مدوَّنات تصنيف العلوم العربيَّة تباينات بين المفاهيم التي تدلّ عليها هذه المصطلحات، ويكاد مصطلح الصناعة يختصّ بالدلالة على المعارف ذات الصبغة العمليَّة حتّى أنَّه يدلّ في سياقات مخصوصة على معنى "الحرفة"، وأمَّا "الفنّ"، فهو الفرع من فروع العلم الواحد أو الوجه من وجوه النّظر أو العمل في علم من العلوم (محنان، 2015، ص.166).

اِعتبر اِبن خلدون العلوم صنفين: صنفًا إنسانيًّا عقليًّا يهتدي إليه الإنسان بعقله، وصنفًا نقليًّا يأخذه عمّن وضعه، ويندرج ضمن الصنف الأوَّل، ما أسماه بالعلوم الحكميَّة الفلسفيَّة وهي المنطق والعلم الطبيعي (الفيزياء) والعلم الريَّاضي والعلم الإلهي، أمَّا الصنف الثَّاني فيضمّ العلوم النقليَّة التي تُؤخذ عن الواضع الشّرعي.

وبتفصيل هذين الصنفين الرئيسيّين، يُدرج اِبن خلدون ضمن الصنف العقلي علم العدد، الهندسة، الهيئة، المنطق، علم الطبيعيَّات، العلم الإلهي، علوم السحر، الطّلسمات وعلم الكيمياء، ويضمّ العلم النّقلي: علوم القرآن، علوم الحديث، علم الفقه، علم أصول الفقه، علم الفرائض، علم الكلام، علم التصوّف، وعلم تعبير الرؤيا.

ونهتمّ من التصنيف الخلدوني للعلم بحركيَّة المصطلح الريَّاضي داخل الأصناف، بما ينزّل الريَّاضيَّات منزلة الخيط النَّاظم الذي ينتظم المعارف المشكّلة لنسيج الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة[2].

منهج اِبن خلدون في تفريع العلم الريَّاضي

عُرف العلم الريَّاضي وما يشمله من فروع بـ "علم التّعاليم"، وفروعه الأربعة تكاد تكون مدار إجماع لدى مصنّفي العلوم المسلمين، وإن كان مختَلفًا في ترتيبها وهي: علم العدد، علم الهندسة، علم الهيأة وعلم الموسيقى، وقد أورد اِبن خلدون علم التّعاليم في الفصل التَّاسع عشر من الباب السَّادس من "المقدّمة": في العلوم العقليَّة وأصنافها"، في المرتبة الرَّابعة بعد المنطق والعلم الطبيعي والعلم الإلهي، وأسند إلى فروع العلم التّعليمي الترتيب الآتي: الهندسة ثمّ الأرثماطيقي ثمّ الموسيقى، ثمّ الهيأة" (ابن خلدون، 2003، ص.393). من البيّن أنَّ اِبن خلدون لا يقصد في هذا السياق النَّصي مجرّد تعداد فروع العلم التّعليمي، وإنَّما يقصد على وجه الخصوص الترتيب متوسّلا بالأداة اللّغويَّة "ثمّ" الدالَّة على معنى "الترتيب". ويكشف اِبن خلدون عن منهجه في عرض هذه العلوم وفروعها: "ولكلّ واحد منها فروع تتفرّع عنه [….] ونحن نتكلّم عليها واحدًا بعد واحد إلى آخرها"(ابن خلدون، 2003، ص.393).

بدءًا من الفصل العشرين من الباب السّادس يشرع عبد الرّحمان بن خلدون في وصف كلّ فرع من فروع العلم التّعليمي مفردًا لكلّ فرع فصلًا، ولكنَّ الملاحظ أنَّه تغاضى عن علم الموسيقى، وذلك مبرّر بنيوي ومنهجي، فمن ناحية بنية "المقدّمة" كان اِبن خلدون قد عرض لهذا العلم آخر الباب الخامس في الفصل الثّاني والثّلاثين منه: "في صناعة الغـناء".

وأمَّا من ناحية المنهج فإنَّ منهجيَّة اِبن خلدون لا تولي عناية لتصنيف العلوم دون تقييد بالإطار التاريخي الذي يتنزّل فيه هذا التّصنيف[3]، كما أعلن عنه في الفصل الرّابع من الباب السّادس: "في أصناف العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد". وهذا التقيّيد تستلزمه طبيعة الشاغل الخلدوني الذي يتوزّع وفق منحيين معرفيين يشير إلى كلّ منحى منهما مصطلح مخصوص: "مصطلح العمران"، ويشير إلى وظيفة عالم العمران البشري، ومصطلح "العهد"، ويشير إلى وظيفة المؤرّخ.

إنَّ هذا التوجّه التصنيفي قد غيَّب علم الموسيقى من المنهجيَّة الخلدونيَّة المتّبعة في تفريع علم التّعاليم، وتبقى منهجيَّة "المقدّمة" التصنيفيَّة مسكوتًا عن مرجعيَّتها الفلسفيَّة التي اِستندت إليها في التفريع، فلا يذكر اِبن خلدون مصدرًا له بعينه للتصنيف الذي أورده في "المقدّمة"، ولكن يبدو أنَّه تصنيف اِجتهد في وضعه بنفسه، وذلك اِستنادًا إلى طبيعة التصنيف الخلدوني نفسه، وإلى ما يُستنتج من مقارنته بباقي التوجّهات التصنيفيَّة:

  • من جهة طبيعة هذا التصنيف، إذ هو مخالف لتصنيفات المتقدّمين من حيث الاِختزال وعدم التفصيل، وكذلك من جهة السياق، فسياق تصنيف العلوم في "المقدّمة" مرتبط بسياق أكبر منه، متّصل بالبحث في طبيعة العمران البشري، الفصل الأوّل من الباب السّادس: "في أنَّ العلم والتّعليم طبيعي في العمران البشري"، ولذلك أدرج التصنيف الخلدوني بعض المعارف المتوسّلة بالعلم الحسابي نظرًا أو اِعتبارًا ضمن الحساب، وكأنَّها فروع عنه وليست فقط مجالات لتطبيقه، وهذا يعود في نظرنا إلى اِستعمال مخصوص لمصطلح "الفرع".
  • من جهة ما تشير إليه المصادر الحديثة، ومنها موسوعات المصطلحات العلميَّة، هو اِختلاف التصنيف الخلدوني. عن التصنيفات السابقة
    (جوليفه، 1997، ص.1287)، الفلسفيَّة والموسوعيَّة، وهو أنَّ التصنيف الخلدوني ينسجم مع رؤية المؤرّخ، ورؤية عالم العمران البشري، بل وضع لخدمتها.

تطبيقات الحساب والهندسة وحركيَّة المصطلح الريَّاضي

قسّم اِبن خلدون العلوم صنفين: علومًا غاياتٍ، وعلومًا وسائلَ، فمن هذه العلوم الوسائل: علوم اللّسان والعلم الريَّاضي، وقد برزت في "المقدّمة" شواغل مؤرّخ الأفكار من خلال عرض أقسام علوم اللّسان وهي: علم النّحو وعلم اللّغة، علم البيان وعلم الأدب، عن تداخل مصطلحي بين علم اللّغة (علم المعجم) وعلم الحساب، راجع إلى الأسس الرياضيَّة التي قامت عليها النظريَّة الخليليَّة في التوليد المعجمي، والمصطلحات الخليليَّة ذات النسبة إلى اِسم العدد المتعلّقة بتصنيف الجذور اللّغويَّة: الجذر الثّنائي والثّلاثي، الرّباعي والخماسي، إحدى نقاط التّقاطع بين العلمين اللّغوي والريَّاضي في الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة. ويمثّل هذا التصوّر الريَّاضي الخليلي للتقليبات الممكن إجراؤها على كلّ جذر لغوي، منوالًا نظريًّا ينقسم إلى مهمل؛ أي ما لا يجري تداوله بين المتكلّمين، ومستعمل وهو التقليبات ذات الدلالة الجاريَّة في تداول المتكلّمين[4].

تتنّوع في "المقدّمة" المصطلحات الرياضيَّة من اِسم العدد، "واحد، اِثنان" والنّسبة إليه "ثنائي، ثلاثي" النّهاية، التّوالي، الجمع، العدد، العمل، الحساب... وتصنّف هذه المصطلحات تصنيفًا مفهوميًّا بحسب مدلولاتها في النصوص والتقاليد الرياضيَّة، من مصطلحات دالَّة على العلم الرياضي: "الحساب"، وعلى الأعمال الحسابيَّة: "العمل"، "الجمع"، وعلى حدود المتواليات العدديَّة: "النّهاية"، وعلى نظم هذه الحدود: " التّوالي" وعلى الموجود الرّياضي: "العدد".

يشرح هذا النص أسس النظريَّة الخليليَّة في التقليب بصفته آليَّة للاِشتقاق المعجمي، ويقوم على شبكة مصطلحيَّة ريَّاضيَّة لا تعبّر عن مضمون النظريَّة الخليليَّة وأسسها الريَّاضيَّة فقط، وإنَّما أيضًا عن موسوعيَّة الثّقافة الخلدونيَّة وقدرة اِبن خلدون على توظيف المعرفة الريَّاضيَّة لتمثّل الدّرس الخليلي بأسسه الحسابيَّة، ليكون علامة نقلة معرفيَّة في الفكر العربي من تاريخ الوقائع إلى تاريخ الأفكار. وهذا ما يجعل خطاب اِبن خلدون قائمًا على تراتبيَّة ثلاثيَّة من الناحيَّة المعرفيَّة والزمانيَّة، فمن جهة المعرفة، يتنزّل هذا النّص ضمن مدوّنةٍ مجال نظرها علم العمران البشري وقوانينه، وهو نصّ يصف نظريَّة الخليل اللّغويَّة في الاِشتقاق، وهو في النهاية نصّ يتأسّس على جهاز مصطلحي رياضي، نعنى في هذا المقال بعرضه وتحليله.

ومن الناحية التاريخيَّة فإنَّ النص يشهد على تداخل ثلاث لحظات من تاريخ المعرفة: لحظة المعرفة التاريخيَّة، لحظة توظيف الخليل لهذه المعرفة في نظريَّته، ولحظة توظيف التّوظيف؛ أي لحظة اِستثمار اِبن خلدون لذلك في صلب نظريَّة العمران البشري وتاريخ الأفكار.

يمكن للمعالجة الشكليَّة أن تختزل التصوّر الخليلي لتقليبات الجذور في العربيَّة من الثّنائي إلى الخماسي، فكلّ توليفة ثنائيَّة من الأصوات تنتج ثنائيَّة من المعيجمات، وكلّ توليفة ثلاثيَّة تنتج سداسيَّة من الجذور، وكلّ توليفة رباعيَّة تنتج أربعة وعشرين جذرًا، وتنتج التّوليفة الخماسيَّة مئة وعشرين جذرًا، وهذا ما يفضي إلى رصيد قدره اِثنا عشر مليون "معيجمة" كما أحصاها السّيوطي في المزهر.

أورد محمّد رشاد الحمزاوي هذا التّمثيل في مؤلّفه "من قضايا المعجم العربي قديمًا وحديثًا" (الحمزاوي، 1980)، يقوم هذا التّمثيل على متغيّر هو عدد الأصوات في كلّ توليفة.

ت 2 = 2x  ( 2 -1 ) = 2x  1 = 2

ت 3 = 3 x (3-1 ) x (3- 2 ) = 3 x 2 x 1 = 6

ت 4 = 4 x (4-1 ) x (4-2 ) x (4-3) = 4 x 3 x 2= 24

ت 5 = 5 x (5-1) x (5-2 ) x (5-3) x (5-4) = 5x  2 x 3 x 4=  120

وهذا التّمثيل يسمح لنا بالتنبّؤ بعدد المعيجمات التي يولّدها كلّ جذر.

ت 2 = 2

ت 3 = 2x  3 = 6

ت 4 = 6 x 4 = 24

ت 5 = 24 x 5 = 120

وذلك أنَّنا إذا قسّمنا عدد المعيجمات المولّدة على عدد حروف التّوليفة، وجدنا عدد معيجمات التّوليفة السّابقة.

العلم الريَّاضي والمصطلح النَّحوي والبلاغي

عرضنا في القسم السّابق لتوظيف المصطلح الريَّاضي في علوم اللّسان، ونحاول أن نبيّن في هذا القسم كيف وظّف اِبن خلدون مصطلحات تحمل مفاهيم رياضيَّة عدديَّة من النّحو والبلاغة العربيّين.

مصطلحات النّحو العربي

" المبهم": قال اِبن خلدون "فالجذر والمال يزول إبهامه بمعادلة العدد ويتعيّن" (الحمزاوي، 1980، ص. 396).

لم نعثر فيما اِطّلعنا عليه من النصوص المتعلّقة بعلم العدد في الرياضيَّات العربيَّة الإسلاميَّة على مصطلح "الإبهام"، وليس مفهوم "الإبهام" في هذا السياق هو مفهوم "المجهوليَّة"، وإنَّما هو مفهوم يحدّد خصيصة الجذر والمال والكعب وسائر المقادير العدديَّة غير المسمّاة باسم العدد فقولنا: "جذر 09" هو قول مبهم، ويزول إبهامه بقولنا: ثلاثة؛ أي بمعادلته للعدد على حدّ تعبير اِبن خلدون.

إنَّ ما يعنينا في هذا السياق الذي نبحث فيه ديناميَّة المصطلح، هو أن نشير إلى أنَّ مصطلح "الإبهام" مصطلح "نحوي"، يتعلّق في النظريَّة النحويَّة العربيَّة ببعض المكوّنات المعجميَّة، كبعض الظّروف المسمّاة مبهمة، والموصولات وأسماء الإشارة، وإنَّ الأثر الباقي من خصائص خطاب النّحويّين يتمثّل في المرادفة بين "يزول إبهامه" و "يتعيّن"، وذلك لأنَّ التّعيين من خصائص الاِسميَّة في النّحو العربي.

مصطلحات البلاغة العربيَّة

"المصرَّح به" يعرف هذا المصطلح في درس البيان العربي في باب الاِستعارة، ويشير إلى أحد طرفي التَّشبيه أو بعض لوازمه كما يعرف في باب التَّشبيه ويتعلَّق بوجه الشَّبه، وبهذا المفهوم مناط تفريع التَّشبيه والاِستعارة في البلاغة العربيَّة. وقد أورد اِبن خلدون هذا المصطلح في سياق الكلام على الجذور، ويعني بالجذر المصرَّح به ما يعرف بــ"الجذر المنطق": "والعدد الذي يكون مصرَّحًا به يسمّى المنطّق، ومربّعه كذلك، ولا يُحتاج فيه إلى تكلّف عمل بالحسبان، والذي لا يكون مصرَّحًا به يسمّى الأصمّ" (الحمزاوي، 1980، ص. 396).

بمقتضى هذه الديناميَّة المصطلحيَّة يجرّد اِبن خلدون المصطلح من مدلوله البلاغي، وهذه نتيجة طبيعيَّة لحركيَّة مصطلحات الرياضيَّات وعلوم اللّسان في "المقدّمة"، وهي حركيَّة في اِتّجاهين متعاكسين، ولكنَّ موقف اِبن خلدون من هذه الحركيَّة بين العلم والبلاغة قابلة للتّفسير من خلال مفهوم الملكة، وذلك أنَّ حملة العلم قاصرون في البلاغة:

"ولهذا كان الفقهاء وأهل العلوم كلّهم قاصرين في البلاغة، وما ذلك إلّا لما يسبق إلى محفوظهم ويمتلئ به من القوانين العلميَّة والعبارات الفقهيَّة الخارجة عن أسلوب البلاغة والنّازلة عن الطبقة، لأنَّ العبارات عن القوانين والعلوم لاحظّ لها في البلاغة، فإذا سبق ذلك المحفوظ إلى الفكر وكثر وتلوّنت به النّفس، جاءت الملكة النّاشئة عنه في غاية القصور واِنحرفت عباراته عن أساليب العرب في كلامهم" (الحمزاوي، 1980، ص. 496).

وقد اِستشهد اِبن خلدون ببيت لاِبن النّحوي اِختبر به أحد جُـلسائِه، فعرف أنَّه من قول فقيه من عبارة " ما الفرق؟" :

لم أدر حين وقفت بالأطلال               ما الفرق بين جديدها والبالي

المصطلح الريَّاضي في العلوم الشرعيَّة

عرض اِبن خلدون لعلم الفرائض في موضعين من الباب السّادس من "المقدّمة"، الموضع الأول هو الفصل الثّامن: في علم الفرائض، والثّاني هو الفصل العشرون: في العلوم العدديّة، وإنَّ ورود الكلام على هذا العلم في سياقين متباعدين نسبيًّا يُردّ إلى التّعريف الخلدوني لهذا العلم باِعتباره قائمًا على جزئين: جزء فقهي وجزء حسابي، "فتشتمل حينئذ هذه الصّناعة على جزء من الفقه، وهو أحكام الوراثة من الفروض والقول، الإقرار والإنكار، الوصايا والتّدبير، وغير ذلك من مسائلها، وعلى جزء من الحساب، وهو تصحيح السُّهمان باِعتبار الحُكم الفقهي." (الحمزاوي،  1980، ص. 397).

في السياق النصي الأوّل يعرض اِبن خلدون حديثًا مرويًّا عن أبي هريرة خرّجه أبو نعيم الحافظ: "وقد يحتجّ الأكبر من أهل الفنّ على فضله بالحديث المنقول عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ الفرائض ثلث العلم وأنَّها أوّل ما ينسى، وفي رواية نصف العلم." (الحمزاوي، 1980، ص. 358).

اِهتمّ اِبن خلدون في تفسير هذا الحديث بمصطلحين: "الفرائض" و"النصف". وتعلّق هذا الاِهتمام بالمصطلح الأوّل من جهة تاريخه وتطوّره، فقد اِستبعد اِبن خلدون أن يكون مفهوم "الفرائض" في الحديث المذكور منحصرًا في "المواريث وما يتّصل بها "واِعتبر هذا المفهوم لاحقًا ومتأخرًا عن زمن التلّفظ بنصّ الحديث وأنَّ المقصود به في تلك اللّحظة جميع التّكاليف من عبادات وغيرها، "والذي يظهر أنَّ هذا المحمل بعيد وأنَّ المراد بالفرائض إنَّما هي الفرائض التكليفيَّة في العبادات والعادات والمواريث وغيرها. وبهذا المعنى يصحّ فيها النصفيَّة والثلثيَّة […..] فلا ينبغي أن يُحمل إلَّا على ما كان يحمل عليه في عصرهم فهو أليَق بمرادهم منه، والله سبحانه وتعالى أعلم وبه التّوفيق." (الحمزاوي، 1980، ص. 358).

في هذا السّياق يتّضح جُهد اِبن خلدون في ثبت المصطلح الفقهي ونظره في مفهومه.

وأمَّا عنايته بالمصطلح العددي "ثلث/نصف"، فقد كان طريقه إلى تبيّن المدلول الذي يؤدّيه المصطلح زمن وضعه قائمًا على الفحص النقدي (التّحقيق)، إذ لا يُستبعد عقلًا أن تبلغ نسبة علم المواريث ثلث مسائل الدّين من فقه ومعاملات وكلام وغيرها. وقد حمل المصطلح العددي "ثلث" على المعنى الصريح للنسبة لا على معنى مجازيّ، كما في القول المعروف "الزّواج نصف الدّين"، كنايةً عن كونه شرطًا لاِستيفاء العمل بأوامر الدين ونواهيه عبادةً وعملًا. ولربّما كان معنى الحديث أنَّ العلم بالمواريث ثلث علم الشّريعة بمعنى أنَّه هامّ من جهة الفائدة لا من جهة المقدار والكميَّة.

إنَّ الاِعتماد على النّسب العدديَّة وتوظيف الجبر والمقابلة لاِستخراج المجهولات وما يتبع ذلك من مصطلحات عدديَّة صريحة في علم الفرائض، لا تخفي حضور مصطلحات الهندسة، ومن ذلك مصطلح " السّهم"، ولئن خالف هذا المصطلح في سياق علم الفرائض مفهومه الهندسي، إلَّا أنَّ ردّه إلى أصوله يوقفنا على تفكير اِستعاري واضح. فمصطلح "السّهم" يرّدنا إلى ضربين من الخطوط القوسيَّة: ما فوق نصف الدائرة وما دون نصف الدائرة، فكلّ جزء من الدّائرة عدا نصفها إذا وُتّر وأُنزل من محيط الدّائرة عمود ينصّفه فإنَّ ذلك العمود هو السّهم.

ومعلوم أنَّ حصص الورثة متفاوتة بحسب نسبة الوارث إلى المُورّث، فإذا ما تصّورنا التّركة دائرة وجزّأناها، فإنَّ أسهم الأجزاء تتفاوت على نسبة تفاوت الأجزاء، وفي هذه الاِستعارة إيحاء بالقسمة العادلة في أصل الدّلالة اللّغويَّة لأنَّ السّهم خطّ عمود يقسم كلّا من القوس والوتر قسمين متساويين، فالمعنى المستعار هو معنى القسمة.

من المصطلحات بالغة الأهميَّة في الحساب وفي علم الفرائض، مصطلح "النّسبة"، وله في سياقات علم الفرائض مفهومان: نسبة الوارث إلى المُورّث، إذ النّسب الدّموي أوّل شروط الوراثة، ونسبة حصّة الوارث إلى جملة التّركة، وقد ذكر عبد الرّحمان الخازني في كتاب ميزان الحكمة: "النّسبة هي فيما بين شيئين متجانسين يُعرف بها قدر أحدهما من الآخر إذا أُضيف إليه كالقرابة بين شخصين إذا كانت معلومة، وأحد الشّخصين فُرض معلومًا، فيصير الشّخص الآخر معلومًا بقوة تلك النّسبة، مثاله إذا كان زيد أبا عمرو فيلزم بنوة عمرو لزيد، كذلك ههنا إذا كان اِثنان نصفًا لعدد، فذلك العدد ضعف للاِثنين وضعفهما أربعة، فتصير الأربعة بواسطة النصفيَّة معلومة" ( الخازني، 1953، ص ص.141-142).

وتمتد حركيَّة مصطلح النسبة في "المقدّمة" من الفصل الثّاني والثّلاثين من الباب الخامس إلى الباب السّادس، وهذا الفصل معقود على صناعة الغناء، وقد بيّن اِبن خلدون أنَّ هذه الصّناعة هي "تلحين الأشعار الموزونة بتقطيع الأصوات على نسب مختلفة." (ابن خلدون، 2003، ص.335)، فقد سُميَّت النسبة الموسيقيَّة النسبة التأليفيَّة من النسبة العدديَّة والنسبة الهندسيَّة.

قال إخوان الصّفا: إنَّ النّسبة على ثلاثة أنواع، إمَّا بالكميَّة وإمَّا بالكيفيَّة، وإمَّا بهما جميعًا، فالتي بالكميَّة يقال لها نسبة عدديَّة، والتي بالكيفيَّة يقال لها نسبة هندسيَّة، والتي بهما جميعًا يقال لها نسبة تأليفيَّة وموسيقيَّة" (إخوان الصفا، 1999، ص.183).

المصطلح الريَّاضي في علوم السحر والطلسمات

هذه العلوم معارف تقتدر بها النفوس البشريَّة على التأثيرات في عالم العناصر، إمَّا بغير معين من الأمور السماويَّة، وهو السحر، وإمَّا بمعين وهو الطلسمات، وقد قسَّم عبد الرّحمان اِبن خلدون النفوس السَّاحرة ثلاث مراتب " فأوَّلها المؤثّرة بالهمّة فقط من غير آلة ولا معين، وهذا هو الذي تسمّيه الفلاسفة السحر، والثَّاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداد ويسمّونه الطّلسمات، وهو أضعف رتبة من الأوّل، والثّالث تأثير في القوى المتخيَّلة، يعمد صاحب هذا التّأثير إلى القوى المتخيَّلة فيتصرَّف فيها[…..]  فينظر الرّاؤون كأنَّها في الخارج ليس هناك شيء من ذلك" [5] (ابن خلدون، 2003، ص.408).

نقل اِبن خلدون من التاريخ شهادات على توظيف علمي التنجيم والعدد في السحر،" وقد نقل المؤرّخون أنَّ زركش كاويان وهي راية كسرى كان فيها "الوفق المئيني العددي" منسوجًا بالذهب في أوضاع فلكيَّة رُصدت لذلك الوفق  (ابن خلدون، 2003، ص.412).

لقد أفاض اِبن خلدون في الكلام على الموقف الشرعي من السحر والطلسمات، إلَّا أنَّه لم يعرض إلى أصول المبحث السحري عند أصحاب التّعاليم، فمنذ جماعة فيثاغور كانت هنالك اِعتقادات دينيَّة في العدد، ومن مبادئ عقيدة جماعة فيثاغور التي أُسّست حوالي 500 ق م بإيطاليا، أنَّ الأعداد مبدأ كلّ شيء وأنَّ سائر الموجودات من ماديَّة ومجرَّدة قابلة للتَّفسير بعلم العدد.

هذه العقيدة المنسوبة إلى الفيثاغوريّين تنبني على السريَّة التَّامة، ونحن نجد في اللّغة العربيَّة تقاربًا صوتيًّا بين مادّتي (س. ح. ر) و (س. ر. ر)، إذ الخلاف في عين الجذر مع تقارب في الدلالة ولعلّ في الاِصطلاح على السحر وما يحيط به من العلوم بــ"العلوم الخفيَّة" تأكيدًا لذلك التّقارب.

لكنّ مسألة السحر اتّخذت منحى مختلفًا في الرياضيَّات العربيَّة الإسلاميَّة إذ حاد مدلول السحر عن التأثير النفسي إلى إحداث الحيرة أو الدّهشة العقليَّة من اِنتظام الأعداد، على نحو ما يحقّق تعادلًا بين مجموعها في أودية المربَّع، ويتجلّى هذا السحر العددي في ما عرف بالمربَّعات السحريَّة، وقد عرف بعضها في كتابات جابر بن حيّان، وهو مرّبع ذو تسعة بيوت، "ومنهم من جعل سرّ التصرّف الذي في الحروف للنّسبة العدديَّة، فإنَّ حروف أبجد دالَّة على أعدادها المتعارفة وضعًا وطبعًا، فبينها من أجل تناسب الأعداد تناسب في نفسها أيضًا، كما بين الباء والكاف والرّاء لدلالتها كلّها على الاِثنين كلًّا في مرتبته" (ابن خلدون، 2003، ص.414).

وهو يشير في هذا النّص إلى حروف الجمل، وهي قائمة الترتيب الأبجدي التي تعدّ 28 حرفًا وتمثّل وحدات المنازل العدديَّة الأربع الأولى من اللآحاد إلى الألف.

حدود النظر الخلدوني في ديناميَّة المصطلح الريَّاضي

إذا لم يكن لـ "المقدّمة" أن تكون مصدرًا أساسيًّا شافيًّا لمؤرّخ العلوم العربيَّة الإسلاميَّة لعدم تخصّصها، ولعدم كفاية مادّتها في هذا الموضوع، فإنَّ هذا الأثر شاهد على تداخل حقول المعرفة داخل هذه الثقافة، سواء في وجهها النَّظري الخالص أو العملي المعاشي.

ولم تخل "المقدّمة" من إفادة عن أثر الذّات الكاتبة من جهة تحصيلها العلمي والملكة الحاصلة لها في كتابتها، علميَّة كانت أو أدبيَّة، ولعلّ هذا أحد مواطن الاِعتراض على "المقدّمة"، فعدم تخصّص اِبن خلدون في العلم الريَّاضي قد أنتج مزالق يمكن تصنيفها كالآتي:

في العلم: من مزالق اِبن خلدون أنَّه ذكر أنَّ العدد الأصمّ لا تُعرف حقيقته إلّا بطرق حسابيَّة مخصوصة، ومعلوم أنَّه إلى حدود عصر اِبن خلدون يُعتقد أنَّ العدد الأصمّ لا يُقارب إلَّا هندسيًّا، وإلى حدود عصرنا لا نعرف على وجه الدقّة ما هو مقدار العدد (𝝅).

في تاريخ العلم: ذكر اِبن خلدون أنَّه لم يكن للأرصاد شأن في دولة الإسلام، رغم أنَّه ذكر نصير الدّين الطوسي في سياقات أخرى وأثنى عليه ومجّد علمه، وهذا لا يشهد إلَّا على نقص في مصادر اِبن خلدون العلميَّة في موضوع علم الهيئة وما يلحق به من الأرصاد ووضع الأزياج.

في كتابة العلم: نفى اِبن خلدون نفيًّا قاطعًا أن يكون في الكتابة العلميَّة وجوه بلاغيَّة كالمجاز وغيره، وهذا مردود إذا ما نظرنا في كتابات المهندسين مثلًا.

قال الخيام:" وقد اِستعمل الجبري مال المال في المساحات فإنَّ ذلك على سبيل المجاز لا على سبيل التَّحقيق" (رشدي وجبار، 1981، ص.05).

وقال غياث الدّين جمشيد الكاشي: " مركز المثلث بالحقيقة هو مركز دائرة أحاطت به وتُماسّ زواياه لكنّا نحتاج في المساحة إلى مركز الدائرة الداخلة فيه فنسمّيه بمركز المثلّث مجازًا" ( جيهامي، 1999، ص.1368)، وقد أشار إبراهيم بن سنان إلى اِستعمال عبارات على الاِستعارة في نص علم الهيأة، "وذلك العدم (عدم الضّياء) إن اِختصّ بموضع غير متنازح الحدود المضيئة المحيطة به ولم تقدح صورته في الإدراك البصري إلَّا يسيرًا سُميّ بالاِستعارة شمسًا أعني الضّحّ" (بن سنان، 1362 ه، ص.41).

وتبقى مسألة الحرفيَّة والمجازيَّة في لغة العلم إشكاليَّة تداول فيها أهل العلم والفلسفة النّقاش، فمن الأكيد أنَّه ممَّا لا يختلف فيه اِثنان ألّا يُراد في خطاب العلم تجويد العبارة على المعنى لغاية الإمتاع الذوقي بل يُقصد التّصريح ومجانبة العدول عن المعنى الذي وضع له اللّفظ في أصل الوضع اللّغوي واِحتذاء سمت الحدّ الذي توافق عليه أهل كلّ علم فيما تدلّ عليه ألفاظ علمهم، ولكنّ لغة العلماء لم تكن خالية من المجاز لأنَّ المجازيَّة سمة ثابتة في كلّ خطاب باللّغة الطبيعيَّة، وما يصفه اِبن خلدون من قصور ملكة أهل العلم العقلي عن بلاغة القول يستند إلى فكرة تطبّع العالم نفسه، من طريق الدّربة والمران، بلزوم مقصد الوضوح والإيجاز.

خاتمة

تختزل ديناميَّة المصطلح الريَّاضي جانبًا من التصوّر الخلدوني للعمران البشري، بما هو سيرورة تحكمها قوانين طبيعيَّة واِجتماعيَّة، وتندفع في مسار تطوّري بين البداوة والحضارة عن طريق نموّ الملكات الإنسانيَّة بالتعوّد والمران في مجالات النظر والعمل التي تتكامل في هذه السيرورة التاريخيَّة، فبحسب قوّة الملكات واِقتدارها أو ضعفها ووهنها تكون أحوال العمران. ولئن كان الاِجتماع الإنساني قائمًا على تأليف القوى في مواجهة الضرورات، فإنَّ هذا الطّابع التكاملي يسم العلوم أيضًا، وهذه إحدى أهمّ نتائج الدرس الخلدوني في وظيفة العلم والعلماء في المجتمع العربي الإسلامي، فهجرة المفهوم الريَّاضي بين علوم اللّغة وعلوم الشريعة والعلوم الخفيَّة تعكس حالًا من أحوال الاِجتماع الإنساني، نمت فيها المعارف وهاجرت المفاهيم من حقل إلى حقل. ولئن لم تكن "المقدّمة" مرجعًا إضافيًّا في تصنيف العلوم أو في دور علوم التّعاليم في نموّ المعارف في الحضارة الإسلاميَّة، فإنَّها عبَّرت عن رؤية مؤرّخ الأفكار الذي يراقب نشأة المفهوم وديناميَّة المصطلح.

المصادر والمراجع

اِبن خلدون، عبد الرحمان. (2003). المقدّمة (ط. 8). دار الكتب العلميَّة.

اِبن سنان، إبراهيم. (1362). كتاب في حركات الشّمس، الباب الثّاني في ذكر النور والظلمة والضياء والظل. مجلس دائرة المعارف العثمانيَّة.

إخوان الصّفا. (1999). الرّسائل. دار صادر.

البيروني، أبو الريحان. (1367 ه/1948م). رسالة اِستخراج الأوتار في الدائرة لخواص الخط المنحني الواقع فيها، ضمن رسائل البيروني الهندسيَّة.

جبّار، أحمد. (1990). الإسهام الرّياضي للمؤتمن وتأثيره في المغرب، ضمن تاريخ العلوم عند العرب. بيت الحكمة.

جيهامي، جيرار. (1999). موسوعة مصطلحات العلوم عند العرب (ج. 2). مكتبة لبنان ناشرون.

جوليفه، جون. (1997). تصنيف العلوم (شكر الله شالوحي، مترجم)، في موسوعة تاريخ العلوم العربيَّة (رشدي راشد، إشراف). مركز دراسات الوحدة العربيَّة.

الحمزاوي، محمد رشاد. (1980). من قضايا المعجم قديما وحديثا. دار الغرب الإسلامي.

الخازني، عبد الرحمن. (1359هـ). كتاب ميزان الحكمة. مطبعة دائرة المعارف العثمانية.

الخيّام، عمر. (1981). رسائل الخيام الجبرية (رشدي راشد وأحمد جبار، مترجم ومحقق). جامعة حلب، معهد التّراث العلمي العربي.

محنان، عماد. (2015). تحليل الخطاب الهندسي في التراث العربي: خصائص الكتابة بين آليّات التّفكير وأبنية اللغة. دار كنوز المعرفة.

الهوامش :

[1] المعهد العالي للعلوم الإنسانية، جامعة جندوبة، تونس.

[2] توجد شذرات عن تاريخ الريَّاضيات في كتاب العبر لاِبن خلدون، أشار إليها بعض مؤرّخي العلوم. اُنظر على سبيل المثال (أحمد جبّار، 1990، ص ص. 23-42).

[3] اُنظر في ذلك مقالنا المنشور بمجلّة المخاطبات:

Mahnane , I .(2025). Art d’écrire et Art de Penser dans les Textes Géométriques de L’ère Médiévale Arabe: Pour une Méthode d’Analyse Discursive. Al-Mukhatabat (54), pp. 31-40.

[4] "وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي، ألّف فيها كتاب العين فحصر فيه مركّبات حروف المعجم كلّها من الثّنائي والثّلاثي والرّباعي والخماسي، وهو غاية ما ينتهي إليه التّركيب في اللّسان العربي. وتأتّى له حصر ذلك بوجوه عديدة حاضرة، وذلك أنَّ جملة الكلمات الثنائيَّة تخرج من جميع الأعداد على التّوالي، من واحد إلى سبعة وعشرين، وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد، لأنَّ الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السّبعة والعشرين، فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائيَّة، ثمّ يؤخذ الثّاني مع الستّة والعشرين كذلك، ثمّ الثّالث والرّابع، ثمّ يؤخذ السّابع والعشرون مع الثّامن والعشرين فيكون واحد، فتكون كلّها أعدادًا على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين، فتجمع كما هي بالعمل المعروف عند أهل الحساب ثمّ تضاعف لأجل القلب الثّنائي".
 (ابن خلدون، 2003، ص. 471).

[5] اُنظر في هذا الصّدد مقالًا لأريلماز ودي كالاتاي حول العلوم الخفيَّة في رسائل إخوان الصّفا، اُنظر أيضًا مقالًا لنوح غارديناي حول أثر أعمال البسطامي في العلوم الخفيَّة.

Cite this article

MAHNANE, I. (2026). ديناميّة المصطلح الريَّاضي في مقدّمة اِبن خلدون بين اللّغة والشريعة والعلوم الخفيَّة. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 4(7), 85–104. https://turath.crasc.dz/en/article/dynamya-almstlh-alryady-fy-mqdma-abn-khldwn-byn-allgha-walshryaa-walalwm-alkhfya