دور المخيال الأسطوري في بناء الموروث الشعبي : بعض المظاهر عند مجتمع إموهاغ

عبد النبي زندري (مؤلف)
المركز الجامعي تامنغست، 11000،الجزائر
31 – 43
عدد متنوع
ع. 04 — م. 02 — 31/12/2024

مقدمة

لقد أضحى تناول الموروث الشعبي عند إموهاغ، أمرا ضروريا نظرا للأهمية
التي يكتسيها هذا الموروث لفهم المجتمع والوقوف على مكنونه الثقافي. فلا نكاد نجد اهتمامًا معمّقا حول ذلك. في محاولة لدراسة هذا المجتمع، اتّجه معظم الدارسين
إلى الوقوف على وصف العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية للمجتمع بدون العمل على استيعاب مصدرها والتغيـّرات الطارئة عليها في غالب الأحيان. ففي دراستنا هذه نستعمل المخيال بوصفه أداة لمحاولة فهم هذا الموروث، ذلك من خلال معرفة مصدره وماهية العوامل التي تسهم في استمراره أو اندثاره.

مفهوم المخيال

إن مصطلح المخيال (L’Imaginaire) لا نكاد نجد له استعمالا في العلوم الاجتماعية والإنسانية الأنجلوسكسونية، في حين استعمل بنحو واسع في الثقافة الفرنسية للعلوم الاجتماعية والإنسانية. وليس في هذا الأمر غرابة (الخادم، د. ت. ص. 78). إذ إن مفردة المخيال( L’Imaginaire) قد ولدت على أيدي عالم التحليل النفسي الفرنسي جاك لاكان (Jacques Lacan) في منتصف هذا القرن، وقد استعملت الأنثروبولوجيا الفرنسية مفهوم المخيال الجماعي فعرفته على النحو الآتي: "المخيال الجماعي هو مجموعة من المتمثلات (Représentations) الأسطورية للمجتمع" (الخادم، د. ت. ص. 82).

فالمخيال هو الإطار الجماعي الذي يوجه ويحدد طبيعة مسيرة المجتمعات وحضاراتها، كما يحدد ما يُسمّى في العلوم الاجتماعية بالشخصية القاعدية
(
Basic Personnalité) مسار الفرد وسلوكه. إذن المخيال هو روح الثقافة الشعبية، فعن طريقه يتزوّد الفرد بثقافة الجماعة، فهو الذي يميز ثقافة مجتمع عن الأخر،
ففي مجتمع إموهاغ، نجد أنّ المخيال يُؤدّي دورا هامّا في نقل الموروث الشعبي، حيث يسعى المخيال الاجتماعي نحو ترسيخ بعض المعتقدات الشعبية التي تساعد
على استمرار بعض السلوكيات التي ينتجها المجتمع، فلا تخلوا جميع الرموز في التراث الشعبي من بُعد الاعتقاد، والذي يستند في تحريكه على المخيال (المطور عزم،
2007، ص. 58)

أنواع المخيال

لدى المخيال أنواع عديدة، تختلف باختلاف الخلفية الاجتماعية التي يحملها،  نذكر منها:

المخيال الأسطوري

نقصد به المخيال الذي يُجسّد صورة الأسطورة في تناول السلوك الاجتماعي حيث تسعى الذاكرة الجماعية لتسويق صور الخيال الأسطوري الذي يدفع المنشغلين به نحو الإيمان بتلك الأسطورة وبالقوة التي تحملها سواء كان ذلك عن طريق تثبيت الفعل وضمان الممارسة الشعبية له، أو عن طريق نفيه وإبعاد الأفراد عنه. فالمخيال هنا يؤدّي دور الناقل لمعاني الأسطورة من جيل إلى آخر. نذكر مثالا عن ذلك بعض الطقوس
التي يقوم بها إموهاغ مثل البحث عن أخبار المسافرين، حيث تذهب إحدى العجائز الشجاعة لتستلقي على إحدى الأضرحة القديمة (أدبني) لتأتي بعد المغرب تحمل أخبارًا عن القوافل، حيث يعتقد الناس أنها تأخذ الأخبار من لدى الجن الذي يأتي لزيارتها،
أما الآن هذا النّوع من الطقوس اندثر، لكن العجائز تحكي بأنه حتى "أدبني" يعطي الأخبار فالمخيال عندهم موجود لكن غير متداول.

المخيال الديني

ونقصد به تلك القيم الدينية التي نجدها وراء التصرفات الشعبية، حتى ولو لم تكن واضحة لنا، لكن يمكن أن نستخلصها من معاني السلوك ففي المخيال الاجتماعي، نجد أن المجتمع ينقل بعض الأفعال ويدافع عنها، لكن لا يدري ما مصدرها وما هي مرجعية حكمها، فعند إموهاغ نجد العديد من السلوكيات التي يجسدها المجتمع
عن طريق المخيال الديني دون البحث عن مصدرها والحكم الشرعي منها، ونذكر مثالا عن ذلك ظاهرة الولائم وما فيها من الطقوس الدينية.

المخيال الاجتماعي

ونعني به تلك الخلفيات التي لها أساس اجتماعي في تحريك الموروث الشعبي، فالعديد من الأمثال الشعبية تحمل دلالات اجتماعية، فيتم ذكرها لمعالجة أو تدعيم موقف اجتماعي ما، لذا نلاحظ أنّ الأمثال والحكم تشهد استمرارية في الواقع الاجتماعي لما لها من دور في الحياة الاجتماعية لإموهاغ، فهناك العديد من الأفعال الاجتماعية التي يستند إليها المجتمع، لها مخيالها الاجتماعي الذي يدفع إلى امتثالها في الأوساط الشعبية.

ومن هذا المنطلق، نلاحظ أنّ المخيال له أهمية كبيرة في تحريك واستمرار الموروث الشعبي، فكل الثقافات الشعبية تستند إلى مخيال يضمن لها عموميتها وانتشارها
في الواقع الاجتماعي. ومن أجل معالجة هذا الموروث، يتوجب علينا أن ندرسها
من منطلق مخيالها الذي يدخل في وجودها.

مظاهر المخيال في بنية الموروث الشعبي عند إموهاغ

كما تطرقنا آنفًا إلى أنواع المخيال، فإننا نجد أنّ جميع التراث له مخيال ينبني عليه، ففي هذا المقام، سنحاول أن نقف على بعض مظاهر المخيال التي تحرّك الموروث الشعبي عند إموهاغ و سنحاول في ذلك أن نعطي بعض الأمثلة، حسب نوع المخيال الذي يحركها.

أ - عينة عن مظاهر المخيال الأسطوري عند اموهاغ

فعن المخيال الأسطوري نجد أنّ العديد من التصرفات الشعبية مبنية على هذا المخيال، فمن بين هذا الموروث نذكر ما يلي:

هناك العديد من القصص والحكايات الشعبية التي بنيت على أساس المخيال الأسطوري فنجد أنها مرتبطة بعالم الغيب والجن والقوى الخفية مثل حكاية الجبل المتواجد في منطقة "مرتوتك" الذي يشاع عنه، أنّه يوجد به الجن، وأيّ شخص يصعد إليه لا يعود، وفي اللّيل تقام فيه تندي التي يشرف عليها نساء من الجن، فهذا الاعتقاد سائد حتى الآن بين أوساط مجتمع إموهاغ خاصة في هذه المنطقة.

 فنلاحظ هنا أنّ المخيال الأسطوري كان سائدا عند إموهاغ ناهقار، كما ضمن استمراره ذلك لكون المخيال الأسطوري في هذه الحالة قوي عكس المخيال الأسطوري الذي ذكرناه سابقا حول أنّ ضريح "أدبني" له القدرة على إعطاء الأخبار، ذلك بالرغم من ارتباطهما بمصدر المخيال نفسه ألا وهو الجن. وهناك مخيال آخر مرتبط بالأرواح الشريرة مثل تفسير سبب ارتداء اللثام عن إموهاغ، فهناك من يفسّرها بأنّهم يخافون من دخول الأرواح الشريرة عن طريق الفم والأنف. وهناك الكثير من ممارسات الموروث الشعبي التي لها ارتباط بالمخيال الأسطوري، منها ما شهدت استمرارًا في الوسط الاجتماعي، ومنها ما تلاشت بتلاشي المخيال في الأوساط الاجتماعية.

ب - عينة من مظاهر المخيال الديني

أما فيما يخص المخيال الديني، فإننا نجد أنّه حاضر بوفرة ضمن الممارسات الشعبية، وذلك بحكم تمسّك الإموهاغ بتعاليم الدين الإسلامي، حيث نجد المخيال الديني يرافق الإنسان عندهم منذ الولادة حتى الوفاة، فلا تكاد توجد مناسبة اجتماعية إلا وجدنا من ورائها مخيالا دينيّا يحركها (القشاط، د. ت. ص. 148)، فمثال عن ذلك نذكر الولائم التي يقيمها الإموهاغ في العديد من المناسبات، فنجد فيها مجموعة من الولائم يمكن تقسيمها إلى قسمين:

- ولائم يُتلى فيها القرآن بكامله

حيث يتجمّع الناس في مكان الوليمة بعد صلاة العصر عادة، ثم يقوم إمام المسجد أو أحد معلّمي القرآن بتوزيع المصاحف على الحاضرين الذين يعرفون القراءة، حيث يُعطى لكل منهم بعضا من أوراق المصحف من أجل تلاوتها. وبعد انتهائه من توزيع المصاحف على الحاضرين، يشرعون في تلاوة الفاتحة جماعيا ثمّ يبدأ كل واحد منهم
في ترتيل ما عنده من الأوراق، وبعد الانتهاء من القراءة يختمون بتلاوة "قل هو الله أحد..." والمعوذتين، ثم الفاتحة ومقدمة البقرة وآية الكرسي، ويكون ذلك جماعيا بإشراف الإمام، ثم بعدها يقوم الإمام بالدّعاء لصاحب الوليمة، ويكون ذلك حسب نيّة صاحب الوليمة، حيث أنّه يمكن أن تكون قد أُعدّت بمناسبة وفاة أحد الأقارب
أو عرس أو تسمية مولود
[1]....إلخ. كما يدعون لصالح الجميع، ويقدم للحاضرين أثناء التلاوة الشاي والملفوف[2].

 

 

- ولائم لا يتلى فيها القرآن

هذه الولائم عادة ما يكون عدد الحاضرين فيها محدودا ومنها ما يشارك فيها جميع السكان، حيث يكتفي فيها الأهالي بالدّعاء والفاتحة وتلاوة سورة الإخلاص "قل هو الله أحد..." والمعوذتين ومقدمة البقرة وآية الكرسي. وقد يقوم بها الشخص في بيته دون تلاوة القرآن. أما الوليمة التي يشارك فيها جميع سكان تاظروك، فيقوم البرّاح بمناداة الناس على مسمع الجميع ويكون ذلك في المسجد، ويُكلّف المؤذّن بالإعلان عن ضرورة إخراج الصدقة بنيّة قضاء حاجة من حاجات المجتمع مثل الدّعاء بنزول المطر وإبعاد الآفات عن البلاد. ويوم الميعاد تشرع كل ربة بيت بإعداد وليمتها، وتتجمع القصعات في مكان واحد والذي عادة ما يكون في المسجد وفي وقت المغرب، ما عدى وليمة الاستسقاء التي يتم تناولها في الوادي بعد صلاة العصر أو في وقت الضحى بعد صلاة الاستسقاء، حيث يقوم الأولاد بحملها إلى المكان الموعود، مردّدين الدعاء نفسه "لعفو يا مولانا لعفو، صدقة ترفع البلى وتجيب الرحمة إن شاء الله".

أمّا النّوع الثاني من هذه الولائم، فهو الذي يقوم به الشخص في بيته دون تلاوة القرآن، كما يكون عدد الحاضرين محدودًا.

ما يمكن أن نستخلصه من تتبعنا لهذه الظاهرة الاجتماعية، أنها طرأت عليها عدة تغيرات من الناحية المعيارية السوسيو ثقافية والديناميكية. أما بالنسبة للناحية السوسيو ثقافية فأثناء تحاورنا مع المستجوبين لاحظنا أن فكرة القيام بالولائم الجماعية تراجعت، حيث يرى أغلبهم أن مثل هذا النوع من الصّدقة يُستحسن القيام بها بصفة فردية وتبقى النية لصاحبها والأجر على الله. كما نلاحظ أنّ من أسباب تناقص الولائم التي يقوم بها السكان بالاشتراك فيما بينهم، يرجع إلى تلاشي الوازع الجماعي وحلول مكانه الوازع الفردي، الذي يهمل التضامن الجماعي في أداء الأدوار الاجتماعية المتمثّلة في الأحكام العرفية التي يُشرف كبار السن على تطبيقها، إضافة إلى ارتفاع مستوى التعليم في المجتمع واحتكاك أفراد المجتمع بالعديد من المجتمعات وفتح الباب أمام دخول أفكار دينيّة تنفي هذه الممارسات العقائدية، حيث يُصنّفها العديد من المستجوبين في باب البدع ولا أساس لها من الصحة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.

أما بالنسبة للولائم التي تقوم بها العائلات، ويتمُّ فيها تلاوة القرآن بمناسبة الزواج أو العزول أو الوفاة، لم تشهد تراجعا من الناحية الكمية بل شهدت نوعا آخر من التغيير الذي يمكن أن نلاحظه في تقلص مساحة التضامن الاجتماعي، فبعدما كان المجتمع يعتبر الوليمة التي يقوم بها أيّ شخص هي لجميع أفراد المجتمع، يتشارك الجميع فيها كبارا أو صغارا، أصبحنا في الآونة الأخيرة نلاحظ أنّ التحضير لها مقتصر
على الأقارب. فأما حضور النساء من أجل طهي الكسكسى، فلا يكون إلا بدعوتهن لذلك، وحتى حضورهن مرهون بتسجيل الحضور
- كما قالت إحداهن- من أجل أن لا تخرج من الجماعة. وممّا استعرضناه نجد أنّ هذا النوع من المخيال الديني وغيره من المخيالات الدينية مبني على أساس إسلامي، لكن عندما نسأل القائمين عليها، نجدهم يستندون في ذلك على أنّه ما وجدوا عليه آباءهم وهم على آثارهم مقتدون.

ج - عينة من مظاهر المخيال الاجتماعي

أمّا المخيال الاجتماعي يتجلّى في العديد من العادات الشعبية التي تُجسّد لمجتمع واحد، فعند الإموهاغ نجد الدور الذي تؤدّيه المرأة بصفتها محافظة على المخيال الاجتماعي أساسيا فهي التي تنقله وتدافع عنه، فمثلا عن ذلك نجد أنّ هناك العديد
من مظاهر المخيال في عادات الزواج نقف على أهمها.

تعكس المحدّدات بعوامل وظواهر ومتغيرات اجتماعية كثيرة في حياة إموهاغ بـ"تاظروك"، وهي في ذاتها تتأثر بعوامل ومتغيرات اجتماعية كثيرة، فموسم الزواج عند إموهاغ في "تاظروك" تتم عادة في فصل الصيف، خاصة في شهري جويلية وأوت لكثرة الثمار فيها، وهي الأشهر التي تلي حصاد القمح والشعير كما أن في هذه الفترة تكون الأحوال الجوية معتدلة.

إن الحديث عن الزواج في "تاظروك" يمكن الحديث عنه في ثلاثة مراحل وهي: الاختيار والخطبة، ومراسيم الزواج، ثم العزول أو الدخول إلى بيت العروس (السويدي، 1986، ص. 62). وقد يكون إدخال العزول في الزواج واتخاذه كمرحلة من المراحل التي تُفضي إلى مسائل عديدة، لكننا تعمدنا ذكر ذلك لكي يسهل علينا تناول التغيرات الطارئة على أهم العادات المنظمة لهذا للمجتمع.

-الاختيار والخِطبة: إن اختيار شريك الحياة يتمّ في حفلات الأهالي، كما يحدث
في المناسبات الجماعية أو العائلية، حيث أن التعرف على شريك الحياة عندما يحضر الشباب هذه الحفلات مثل "تيندي"
[3] أو "إيسوات" أو"تزنغراهت" هذا في المجتمع التقليدي. لكن، ستجد في هذا أن قضية الاختيار تتم بمراقبة الفتاة في حياتها اليومية حيث أن الزواج غالبا ما يكون بين الأقارب، لذا نجد الشباب يترصدون بنات أعمامهم
أو أخوالهم في بيوت أهلهنّ، حيث يُعجب الشاب بتصرفاتها واهتمامها بعمل البيت، وقد يختار الرجل شريكة حياته في إحدى المناسبات، كما يشارك أهل الرجل في اختيار الزوجة لابنهم، حيث تختبر الأم الفتاة التي يشير إليها ابنها لمعرفتها، وقد تساهم أخوات الزوج في الاختيار. وتجدر الإشارة إلى أن موافقة الوالدين على الفتاة المختارة ضرورية لإتمام الاختيار لأنّ قضية الزواج هنا مسألة جماعية وليست فردية، أي أنّها علاقة ارتباط بين أهل الزوج وأهل الزوجة.

أما عن الخطبة فيذهب والد الشاب لطلب يد الفتاة من أبيها، وإذا تمت الموافقة وبعد مشاورة الزوجة أو أم الفتى والفتاة، ثمّ إخبار أقاربها وأخوالها ليتمّ تحديد موعد الخطبة، وتتولّى النسوة القيام بها، إذ تحمل أم الشاب هدايا الخطبة مع النّسوة
من أقارب الشاب من عماته وخالاته واللواتي يرتدين أجمل الملابس لديهنّ ويتوجهن نحو بيت الفتاة، حيث يجدن أم الفتاة مع قريباتها في استقبالهنّ لتتمّ الخطبة وعادة
ما يكون موعدها بين المغرب والعشاء، وتجدر الإشارة إلى أنّ الفتاة لا تحضر عند الخطبة احتراما لأهل الرّجل.

قد تفسخ الخطبة، وهذا نادرا ما يحدث، حيث عندما يخطب الشاب الفتاة يصبح ملزما لمراعاة الرابطة القائمة بين أهله وأهل الفتاة، لذا لا يمكنه الفسخ إلّا عندما يكون الأمر بالغ الخطورة.

- مراسيم الزواج: بعد الخطبة تأتي مرحلة تحديد موعد الزواج حيث يجتمع أهل الزوجة و الزوج لتحديد تاريخ الزفاف، والذي عادة ما يكون قبل الموعد بثلاثة أشهر أو شهرين حتى يتسنى لهم التحضير والاستعداد لذلك، بعد تحديد موعد الزفاف تتولى الأم إخبار النسوة في البلد عن موعد الزفاف، كما يقوم الرجل بإخبار الرجال بالموعد، وفي الغالب يكون الموعد متفق عليه بين العديد من العرسان الذين يرغبون في إقامة عرس جماعي، وعادة ما يتمّ اختيار يوم الإثنين أو الخميس للزفاف وفي الكثير من الأحيان يُتّفقُ على يوم الخميس لقراءة الفاتحة أي ليلة الجمعة.

تبدأ مراسيم الزفاف يوم الثلاثاء، حيث يبدأ الدفّ في بيت العروسة وتتجمع النساء لصنع الكسكسى لوليمة العرس، وقد يتم تحضير الكسكسى أياما قبل ذلك، إذ يتم تجفيفه ووضعه في أكياس حتّى يوم العرس، أما يوم الأربعاء يتقدم أهل العريس لتقديم مهر المرأة( العروس) والذي يكون مرفوقا بالهدايا وهدية أم العروس عادة ما تقدم يوم الخميس وتسمى "تاغتست"، وهي عبارة عن كبش أو جمل وذلك حسب المكانة الاجتماعية لأصل العريس، حيث يتم ذبح الهدية وتقسيمها بين الحاضرات من النساء تعبيرا عن الجميل الذي قدمنه لأم العروس، وفي ليلة الخميس يتم قراءة الفاتحة من طرف إمام المسجد، والتي تسمى بالوكالة، حيث يكون قد سبقها العقد المدني في مصلحة الحالة المدنية.

لقد كان من المعمول به في عادات إموهاغ في تاظروك أن لا تتم الدخلة في الليلة الأولى، ففي هذه الليلة يذهب العروسان إلى الخيمة ليجلسا فيها مدة قصيرة، ثم يتم إعادتهما إلى بيوت أهلهما حتى اليوم الموالي للقيام بتزيين الخيمة لتصبح مسكن العروسين. يتواصل حفل الزّفاف لمدة أسبوعٍ كاملٍ، ففي الليلة الأولى يتم زفّ العريس بقصيدة "البردة" حتى وصوله إلى الخيمة ويُتلى حينها سورة ياسين وسورة الملك والمعوذتين وسورة الفاتحة، أما عن العروس فتُزفُّ بقصائد شعرية تُعرف "بالتماهق" والتي تحمل في طيّاتها نصائحًا و إرشادات للعروسين، كما ترفق هذه القصائد بالدّف.

وقبل وصول العروس إلى خيمة العريس يتعرض موكبها رجالا من بني عماتها مطالبين بدفع النعال "إنقال" الذي هو نعال مصنوع من الجلد، والذي يصنع
في النيجر وإن لم يتم تقديم النعال يتم إرجاع العروس إلى بيت أهلها لذا يدافع أصدقاء العريس بتفاوض معهم حتى يدفعوا لهم دينهم، ويتم السماح للعروس بالمرور.

ويستمر العرس، حيث يبقى العروسان في الخيمة المنصبة لهما وسط الوادي وبمقابل المدينة، وهناك يزورهما أهل البلدة وأحبابهما، وذلك من أجل تهنئتهما وتبريك زواجهما، لكن ما نلاحظه هو أن أمّ العروس لا يمكنها أن تزور ابنتها في الخيمة في هذه المدة، حيث أنه لا يمكن أن ترى العروسين، حتى اليوم السابع، ففي ذلك اليوم يقوم العروسان ورفاقهما بزيارة الأهل والأقارب وبيوت كبار السن من أجل تبريك الزواج والدعاء لهما بالصلاح[4]. وكما قلنا آنفًا يستمرّ العرس لمدة أسبوع كامل حيث يكون السمر والغناء كل مساء، كما نجد الشاي حاضرًا في كل الأوقات من الصباح
حتى الليل.

-العزول (الانتقال إلى بيت العروسين): حسب المعروف عند إموهاغ أن الزواج
لا يعني الانتقال إلى بيت الزوجية، بل هما أمران منفصلان؛ حيث أن عزل الزوجين
إلى بيتهما الجديد تسبقه تحضيرات يقوم بها الزوج كما تقوم بها أم العروس التي تقوم بشراء جميع لوازم ابنتها وتجهز لها كل لوازم بيتها من أواني الطبخ و الأفرشة.... إلخ.

قد تصل مدّة هذه الاستعدادات إلى عام أو أكثر، لأنّ بعض الشباب يتزوجون وليس لهم مساكن، كما تتولى أم العروس توفير بيت مؤقت تسكن فيه ابنتها وزوجها، لأن هذه الفترة يكون فيها الزوج عالة على أنسابه حتى يستقر في بيته. لكن هذه الظاهرة شهدت تراجعا في السنوات الأخيرة، حيث أصبح الشباب يجعلون بناء البيوت من الأولويات قبل الزواج، وذلك من أجل  الإقامة فيها مباشرة بعد الزواج وإن طال بهم الأمر فإنّه
لا يتعدّى مدة العام.

ما يمكن استخلاصه أن عادات الزواج في تاظروك لم تشهد تغيرات كبيرة، حيث يقام العرس في الوادي الذي تنصب فيه خيمة، ولا يتم العزل إلا بعد استعداد أم العروس. لكن، ما تجدر الإشارة إليه هو ظهور بعض الخارجين عن هذه القواعد العرفية، حيث بدأ بعض الشباب القيام بأعراسهم في بيوتهم والعزل مباشرة
مع الزواج، وقد تقتصر مدة أيام الزواج على ثلاثة أيام. فكل هذه المظاهر التي هي مجسدة في واقع ظاهرة الزواج، نجد أنها محركة عن طريق المخيال الاجتماعي الذي يسعى إلى ضمان استمرارها في الواقع الاجتماعي عند إموهاغ.

خاتمة

تعتبر الدّراسات التي قام بها علماء الفلكلور. من أهم الدراسات التي تساهم
في الحفاظ على الموروث الاجتماعي وفهمه. حيث اهتم المختصون في هذا المجال بالنقل والإحصاء والتصنيف ومحاولة فهم محتوى الموروث، الذي أضفى عليه الصفة العلمية، خاصة لدى الأوروبيين الذين اهتموا بذلك في القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا. وساهموا بصفة كبيرة في الدراسات العلمية حول الموروث في المجتمعات المستعمَرة.

تعتبر وقفتنا العلمية هذه، مدخلا من بين المداخل في تناول الموروث من منطلق مصدره واستمراره أو اندثاره في الحياة الاجتماعية، حيث حاولنا أنّ يكون المخيال الاجتماعي أداةً لفهم وتفسير هذا التغير الحاصل في الموروث، إذن هي دراسة تفتح المجال لطرح إشكاليات جديدة لدراسة الموروث الشعبي.

حواشي سفلية

  1. [1] حيث أن إموهاغ عادة يقومون بصنع وليمة للمولود في اليوم السابع من ولادته ذلك من أجل الإعلان عن اسمه في حضور الناس.
  2. [2] الملفوف: هو قطع من لحم الكبد، تلف بشحم الحشة التي نجدها على المعدة، فبعد لفها يتم غرسها في ساق من الجديد أو الخشب الرقيق، ثم يكوى على النار.ويطلق عليه عند البعض بالشوا.
  3. [3] التندي هي سهرات تأخذ أشكالا متنوعة: التندي العادي وهو الذي يجلس فيه الرجال والنساء في مكان واحد بصورة مختلطة، أما تندي إيلوقان فتغني فيه النساء منفردات بينما يمتطي الرجال إبلهم مرتدين الزي التقليدي. أمّا النوع الرابع فهو تندي أكرهي، والذي يتميّز باختيار أجمل النساء في الحفل ويوضع فوق رأسها لحاف أسود كالخمار يُدعى أكرهي، ليقوم أحد فرسان الإبل باختطاف لحافها، ويلحق به بقية الشبان ومن يتمكن من استرجاعه يكون هو فارس أحلامها ويرتفع شأنه.
  4. [4] عائشة: امرأة من تاظروك، تبلغ من العمر60 سنة.

بيبليوغرافيا

  • الخادم، سعد. (د .ت.). الفن الشعبي والمعتقدات السحرية، )سلسلة الألف كتاب (477. مكتبة النهضة المصرية.
  • زندري، عبد النبي. (2023). دور المرأة التارقية ومكانتها الاجتماعية في مجتمع إموهاغ. مجلة آفاق علمية. 15( 2).
  • السويدي، محمـد. (1986). بدو الطوارق بين الثبات والتغير. المؤسسة الوطنية للكتاب.
  • القشاط، محـمد سعيد. (د. ت.). التوارق عرب الصحراء الكبرى. مركز الدراسات وأبحاث شؤون الصحراء.
  • كريبع، نسيمة. الفلكلور عند قبائل الإموهاغ ودوره في تنمية التراث. https://shorturl.at/4D9wb
  • المطور عزم، أبو الحمام. (2007). الفولكور-التراث الشعبي-الموضوعات، الأساليب، المناهج. دار أسامة للنشر والتوزيع.
  • Casajus, D. (1987). La tente dans la solitude. Éditions de la Maison des sciences de l’homme. Cambridge University Press. https://doi.org/10.4000/books.editionsmsh.6143

استشهد بهذا المقال

ZENDRI, A. (2024). دور المخيال الأسطوري في بناء الموروث الشعبي : بعض المظاهر عند مجتمع إموهاغ. تراث - المجلة الجزائرية للأنثروبولوجيا الثّقافيّة, 02(04), 31–43. https://turath.crasc.dz/ar/article/dwr-almkhyal-alastwry-fy-bna-almwrwth-alshaby-bad-almzahr-and-mjtma-imwhagh