تقديم

محمد حيرش بغداد (مؤلف)
مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC، 31000، وهران، الجزائر.
7 – 9
‫التراث الفني الموسيقي. نماذج و ممارسات
ع. 05 — م. 03 — 30/06/2025

تتجلّى الموسيقى التراثية في العالم العربي كنسيجٍ ثقافي معقّد، يحمل في طياته ذاكرة المجتمعات وهوياتها المتراكمة عبر القرون. في هذا العدد الموضوعاتي، نستكشف عبر نصوص علمية متقاطعة كيف تحافظ هذه الموسيقى على حيويّتها رغم التحديات المزدوجة المتمثلة في اندثار التقاليد الشفوية من جهة، وطغيان العولمة والرقمنة من جهة أخرى. تلتقي هذه الأبحاث في سؤال مركزي عن كيفيات صون التراث الموسيقي في ظل تحولات العصر.

في مقالها "الشعر الغنائي النسوي في الجزائر: الحوفي التلمساني"، تقدّم نبية دادوة حضرية نموذجًا حيًّا للتراث الشفهي المهدّد بالضياع. من خلال تحليل شعر "الحوفي" في مدينة تلمسان، تكشف كيف تحوّلت الأعمال اليومية للمرأة الجزائرية إلى تعبير غنائي وجداني، يتميّز ببساطته العاطفية وإيقاعاته المميزة. ورغم تشابهه مع أنماط مغاربية أخرى (كالبوقالة)، فإنه يحتفظ بخصوصيته اللغوية والطقوسية المرتبطة بالفضاء النسوي الخاص. إلا أن جهلنا لأصوله التاريخية واعتماده على التناقل الشفوي يجعله عرضة للنسيان، ما يؤكّد الحاجة إلى توثيق منهجي يعيد الاعتبار لهذا الإرث الثقافي.

يتقاطع هذا الطرح مع دراسة عائدة النياطي في مقالها "الممارسة الصوتية للتراث الشفوي الموسيقي في تونس: الأشكال والتمثّلات السوسيو ثقافية (منطقة قبلي)"، حيث تُظهِر أن أنماطًا غنائية مثل "صوت الجراد" (المرتبط بطقوس الزفاف) و"صوت البراش" (المتصل بعاشوراء) تشكّل نظامًا موسيقيًّا رمزيًّا متجذرًا في الممارسات والطقوسية اليومية. ما يلفت الانتباه هنا هو دور العنصر البشري - خاصة الأداء النسوي - في الحفاظ على الهوية الموسيقية عبر تقنيات كـ"التطويحة"، التي تُدخل حروفًا بين الكلمات لخلق زخارف صوتية. ومع ذلك، فإن ضيق المساحات الاجتماعية لممارسة هذه الطقوس يهدّد استمراريّتها، رغم مرونتها التكيّفية.

بينما تركّز الدراستان السابقتان على الإرث الشفوي المحلي، يأتي مقال رياض لملوم "التراث الفني الموسيقي بمدينة تستور التونسية: مقاربة اجتماعية وفنية" ليكشف كيف تحوّل التراث إلى حصنٍ للهوية الجماعية. فـ "المالوف" التستوري، الذي جلبه الموريسكيون الأندلسيون، لم يبقَ مجرد فنٍ غنائي، بل أصبح جزءًا من العمارة
(في جامع المدينة) والطقوس الدينية (كالصوفية) والاحتفالات الاجتماعية (كالأعراس التي تمتد سبعة أيام). وأدّت خصوصيته الفنية، المتمثلة في الاعتماد على الآلات الإيقاعية فقط (الطار، النغرات، إلخ.) وتفرد نصوصه، إلى جعله علامةً ثقافيةً مميزة لتستور. لكن التحدي الأكبر يتمثل في غياب التوثيق المكتوب، ما يضع هذا التراث
في مواجهة مباشرة مع زحف النسيان، رغم محاولات إنقاذه عبر المهرجانات الدولية.

في هذا السياق، يقدّم مقال عماد الغدامسي "موسيقى أم كلثوم والتقنيات الحديثة. التراث الموسيقي والأطر الحديثة: أي صورة وأي موسيقى وأي منهج؟" تحذيرًا مهمّا. فإذا كانت الدراسات السابقة تخشى اندثار التراث، فإن التهديد هنا يأتي من "تحويله إلى سلعة". عبر تحليل تأثير الرقمنة، يُظهر كيف تُعيد منصات
مثل اليوتيوب تشكيل صورة أم كلثوم وموسيقاها عبر منتجات هابطة أو استخدام الذكاء الاصطناعي لإنتاج أغاني شعبية بصوتها. هذه الممارسات، وفقًا للدراسة، لا تسيء فقط إلى القيمة الجمالية للأعمال، بل تُفكّك نظامها الأخلاقي وتستبدل النقد الفني بـ"ثقافة الإعجابات/اللّايكات". رغم ذلك، فإن تقنيات مثل الهولوغرام قد تفتح أفقًا جديدًا لجذب الأجيال الشابة، شرط وضع ضوابط تحمي الجوهر الحضاري لمثل هذه الموسيقى الراقية والأصيلة.

وفي سياق هذا العدد الموضوعاتي من مجلّة تراث، يندرج مقال متنوّع حول "الكتابات الشاهدية في بعض مدن صحراء الجزائر، البساطة ودلالاتها" للباحث محمـد حيرش بغداد، بوصفه إسهاما ذو بعد أنثروبولوجي وفلسفي في تحليل العلاقة بين الإنسان والموت في الثقافة الصحراوية الجزائرية. يتناول المقال إشكالية التعبير الكتابي الجنائزي وتحوّله إلى مرآة رمزية للوعي الجمعي، من خلال مقارنة بين نقوش جنائزية قديمة (كـنقش النمّارة وتهودة) وأخرى معاصرة، للكشف عن نزعة نحو البساطة والتضرّع وطلب الرحمة، مقابل غياب البُعد الفلسفي أو العقلاني الذي يميّز كتابات شاهدية في ثقافات أخرى. يعتمد الباحث منهجًا مقارنًا ونقديًا، مستندًاإلى شواهد نصّية وميدانية، تتوزع بين السياق الإسلامي، خاصة في الغرب الإسلامي، وبعض الحالات المسيحية، بالإضافة إلى نماذج استثنائية مثل ضريح الشيخ بلكبير. وتخلص الدراسة إلى أن البلاغة المتخفية في «الصمت» والصياغات البسيطة تعبّر عن موقف وجودي متعالٍ يرفض التكلّف المادي. كما يبرز المقال أهمية التقاليد الشفهية والكتابة الجماعية والفردية في بناء ذاكرةٍ عن الموتى. ويدعو الباحث في النهاية إلى إعادة تأويل هذه الظواهر بوصفها حاملة لفلسفة ضمنية للوجود، متجذّرة في البيئة والتاريخ والعقيدة.

ختامًا، تجتمع هذه الأبحاث حول فكرة محورية: التراث الموسيقي ليس مجرد أصواتٍ جامدة، بل ذاكرة حيّة تتشكل عبر التفاعل بين الإنسان وبيئته. فـ"الحوفي" في الجزائر و"الجراد" في تونس و"المالوف" في تستور تمثل أنظمة ثقافية مقاومة للنسيان، بينما تحذّرنا الدراسة المنجزة حول تراث وإرث أم كلثوم من مخاطر تحويل التراث إلى "سلعة رقمية". وعلى هذا الأساس، فإن التحدي المشترك هو تطوير آليات توثيقٍ تحفظ الهويّة دون تجميدها، وتواكب العصر دون ابتذال، فالموسيقى التراثية، في النهاية، ليست ماضيًّا نحميه، بل حاضرًا نعيشه ونعيد تشكيله بوعي.

استشهد بهذا المقال

HIRRECHE BAGHDAD, M. (2025). تقديم. تراث - المجلة الجزائرية للأنثروبولوجيا الثّقافيّة, 03(05), 7–9. https://turath.crasc.dz/ar/article/tqdym-05