البعد الصوفي في تجربة الفنان اعمر الزاهي بين الحضرة وعرس الشعبي

مهدي براشد (مؤلف)
سعد الله، أبو القاسم. (1998). تاريخ الجزائر الثقافي. دار الغرب الإسلامي.
45 – 71
عدد متنوع
ع. 04 — م. 02 — 31/12/2024

"إن حياة كاملة ومنطقية لا يمكنها أن تتحقق إلا في فضاء خالص من الفردانية المنعزلة، بعيدا عن الآخر. لذلك وفي كل الأزمنة، طريق القديس يؤدي به
 إلى الصحراء كمستقر وحيد له وبيت وحيد يلائمه".

ستيفان زفايغ[1]

مقدمة

قد يكون الحديث عن تجربة صوفية في التجربة الفنية الموسيقية للفنان الراحل اعمر الزاهي[2] (عمر آيت زاي)[3] مغامرة محفوفة بالانزلاق في وهم معرفي، ذلك أنه حديث يجرّنا، في المقام الأول، إلى حقلين معرفيين واسعين متشعبين ومتداخلين: الأول يتعلق بالتصوف كفكر يتقفى حقيقة تُسطّر أسلوب حياة وغاية لها، والثاني يتعلق بالموسيقى كتمظهر فني لهذا الأسلوب الموصل للحقيقة ووسيلة لبلوغها كما يقول مولانا جلال الدين الرومي.

المقام الثاني الذي يجرنا إليه الحديث عن تجربة صوفية في التجربة الفنية للراحل اعمر الزاهي هو أغنية "الشعبي"[4] هذا اللون الموسيقي والغنائي الذي ارتبطت به مدينة الجزائر (دزاير)[5] باعتباره عنصرا هوياتيا لها، وشكلا طقوسيا لفرح أهل هذه المدينة وحزنهم. ثم الحديث عن شخصية فنية في مدينة الجزائر لم تنتم يوما إلى طريقة
من الطرق الصوفية، ولم تدّعِ يوما السعي في طريق العرفان أو جعل الموسيقى والغناء طريقا أو وسيلة للعرفان بالمعنى المدرسي له (الطريقة).

القصبة بلاد سيدي عبد الرحمن والأولياء الصالحين

مازالت مدينة الجزائر، إلى يومنا هذا، مدينة محافظة، على الرغم من تحولها، منذ أن أصبحت عاصمة للمستعمرة الفرنسية، إلى مدينة متروبولية مع نهاية القرن التاسع عشر، وانفتاحها على المعمار الغربي وثقافته. ومازال المخيال الشعبي رهين البعد الديني الصوفي الذي تمظهر في وجود عشرات الأضرحة التي يرقد تحتها أولياء صالحون، يعتقد الدزيريون في كراماتهم وقدرتهم على أن يُشَكِّلوا، بعيدا عن الوثنية التي تتهم بها الطرق الصوفية، حبلا يوصل دعواتهم إلى الله تعالى صاحب الإجابة.

وعلى الرغم من اندثار العديد من المعالم الدينية التي أتى عليها توسع العمارة
الكلونيالية، خاصة القصبة السفلى، ثم الإهمال الذي تعرضت له بعد الاستقلال، مازال عدد من الأضرحة الدينية في مدينة الجزائر قائما، ماديا أو معنويا
[6]، على رأسها ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي[7]، حارسها[8] الذي تنسب إليه[9]، والولي داده[10]،
والولي سيدي رمضان، والولي سيدي بن علي[11] (توفي في
1775) والولي سيدي هلال[12] والولي سيدي بوقدور[13]، والولي سيدي امحمـد شريف[14].

علينا أن ننتبه إلى أنّ الدزيريين، حتى وإن كان المذهب المالكي هو المذهب الرسمي للبلاد والعباد، إلا أن تدينهم مازال عالقا به ما تركته الإسماعيلية والفاطمية الشيعية والحنفية التركية وهي مذاهب أكثر التصاقا بالتصوف. على ما للأتراك من إسهامات
في إدخال الآلات الوترية في السماع الصوفي.

من المديح إلى الشعبي

ارتبط الغناء بمدينة الجزائر، في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين،
بالمديح، وقد كرست مدرسة "الصنعة"
[15] جزءا معتبرا من مدونتها الغنائية لمواضيع مدح النبي والتوسل والحب بمفهومه الصوفي. بل وكان من بين فناني هذه المدرسة من هم قراؤون للقرآن ومنشدون له في المساجد والأضرحة في المناسبات الدينية، أمثال المفتي بوقندورة تلميذ الشيخ سفينجة (1844م - 1908م)، وكان الشيخ عبد الرحمن المداح أستاذ الشيخ الناظور الذي هو بدوره شيخ الحاج امحمـد العنقى، باش قصاد وشيخ الحضرة في مقام سيدي عبد الرحمن الثعالبي، ومثله محي الدين باشطارزي (1897 - 1986) الذي بدأ ولعه بالموسيقى صغيرا، وهو يرتل القرآن وينشد القصائد الدينية، إلى أن لفت انتباه الشيخ المفتي بوقندورة، فضمه مقرئا في الجامع الجديد (جامع حنفي) إلى أن صار باش حزّاب. وكان محي الدين باشطارزي مؤذنا في الجامع الجديد، وكان يؤذن على المقامات الأندلسية.

من رحم هذا المديح ولدت أغنية الشعبي على يد الشيخ الحاج امحمـد العنقى[16]. والحاج امحمـد العنقى، قبل أن يلقب بـ "العنقى"، كان يعرف في الوسط الفني وحتى في غلاف الأسطوانات التي سجلها بـ "الشيخ محمـد المداح". غير أن هذا اللون الغنائي الجديد الذي ثار على القواعد الموسيقية المتعارف عليها في الغناء الأندلسي، وخرج بهذا الفن إلى الفضاءات الشعبية، بقي محافظا على إبقاء المدونة الشعرية المغناة مدونة دينية في مجملها، بل وسعى الحاج امحمـد العنقى إلى توسيع هذه المدونة المغناة بالبحث عن قصائد أخرى من الملحون المغاربي، سواء من شعراء جزائريين أو شعراء مغربيين.

من الحضرة إلى "القسرة"[17]

يستدعي الحديث عن أغنية "الشعبي" الحديث عن عرس الشعبي، ففي المخيال "الدزيري" لا وجود لـ "الشعبي" خارج العرس، ليس لأن هذه الأغنية تؤدى في العرس بطريقة تختلف عن أدائها في الحفلات أو في التسجيلات التفلزيونية والإذاعية، وإن كان بالفعل هناك اختلاف من حيث هيكل الحفل[18]، بل لأن صفة "الشعبي" التي تحقق هويتها لا تتحقق إلا من خلال فضاء عرس الشعبي[19].

ولا يتوقف أمر تحقيق هوية "الشعبي" عند العرس، بل إنه يتعدى إلى المكان الذي
يقام فيه العرس
[20]، إذ أن خروج هذه الاحتفالية الطقسية من حيزها المكاني القديم
إلى قاعات الحفلات أفقدها الكثير من معانيها الطقوسية. وفضاء عرس الشعبي فضاء طقوسي، ذلك أن محفل الفرح هذا ارتبط بمناسبتين دينيتين لدى الدزيريين، الأولى: الزواج باعتباره نصف الدين، واعتبار العزوبية صفة منافية للإسلام
[21]، والثانية: الختان أو الطْهارة[22]. ولا نجد عرسا بـ "الشعبي" لأية مناسبة أخرى دنيوية كانت أم دينية، بل ومن العيب حتى على أهل العروسة إقامة عرس شعبي لابنتهم، وهو ما يعطي لهذا العرس الطابع الذكوري.

هناك فضاءات أخرى قد تكون فيها أغنية الشعبي موجودة مثل "الْمَحْشَاشَاتْ"[23] و"التْبَارَنْ"[24]، ولكن على الرغم من ذلك لا يعتبر أهل دزاير ذلك شعبي، لأن المؤدي لن يكون "شيخا"، وستختلف المدونة المغناة مثلما يختلف القاموس اللغوي المستعمل بين رواد هذه الأماكن.

هناك تشابه مثير للانتباه بين فضاء عرس الشعبي والفضاء المسجدي:

أول هذا التشابه يكمن في الشخصية الأساسية لكلا الفضاءين وهي الشيخ.
وقد استعمل الدزيريون، كما سكان مناطق جزائرية أخرى، لفظة "شيخ" بعدة دلالات:

- في استعمالها الحقيقي بمعنى "الطاعن في السن"، يقابلها في المؤنث "العجوزة".

- واستعملوها بمعنى "والد الزوج" فالزوجة تقول لوالد زوجها "شيخي"، وحين تناديه تقول: "سيدي"، مقابل "لالَّهْ" لأم الزوج.

- واستعملوها بمعنى "الإمام"، فقالوا "شيخ الجامع".

- وأطلقوا لقب "الشيخ" على كل من يمارس التطبيب بالتعويذات والأعشاب،
أو ما يعرف بـ "الطَّالَبْ".

- واستعملوها بمعنى "المعلم" أو "الأستاذ"، فقالوا "شيخ المسيد"[25].

- كما أطلقوا هذا المعنى على مٌغنّي الشعبي فقالوا "الشيخ"، دون أية إضافة أخرى، ويفهم المعنى المقصود من اللفظة بالسياق والمقام.

وتطلق صفة "شيخ" على فنان الشعبي بصرف النظر عن سنه، فهو يكتسب
الصفة من المقام الذي فيه "التيندة"
[26] (منصة حفل الشعبي)، فلأنه يصعد "التيندة" فهو شيخ، تماما مثل إمام المسجد يكتسب الصفة من اعتلائه المنبر بغض النظر
عن سنه شابا كان أو كهلا[27].

فالحاج امحمـد العنقى رحمه الله اكتسب هذا اللقب، وهو في سن الواحدة والعشرين، وكان لقبه آنذاك "الشيخ امحمـد المداح"، قبل أن يتحول إلى "الشيخ الحاج امحمـد العنقى".

ولكن علينا هنا أن ننتبه إلى أن صفة "شيخ" أو "المشيخة" لا تعلن من صاحبها
ولا من الجمهور، فهي إجازة تعطى من شيخ آخر، لابد من أن يوقعها له ويعترف له
بها بالشكل نفسه الذي يتحصل به عليها الإمام.

ويعترف الحاج امحمـد العنقى، في بيت السلام من قصيد "الحمام"، من أين جاءته المشيخة فيقول:

أَسْمِي مِمِينْ وْحَا وَخْلاَصْهُمْ دَالْ                              الْمْكَنِّي لَحْلُو لَلْعلَمَا مْسَلَمْ

الْجْحِيدْ مَا لُهْ قُدْرَهْ مَا لُهْ مْزِيَّهْ                                 وَايَنْ يَظْهَرْ عُومُهْ مَسْكِينْ فِي بَحْر طَامِي

السْلاَمْ نْهِيبُهْ لَلْاشْيَاخْ فِي كُلْ غَايَهْ                           وْلَلْاشْرَافْ أَهْلَ الْبِيتْ بِهُمْ عْلاَ عْلاَمِي

طَعْتْ شِيخِي ظَاهَرْ فِي افْرِيقْيَا الشْمَالِيَّهْ               الْمَرْحُومْ النَّاظُورْ[28] هُوَ سْبَابْ فَهْمِي

وهناك قصيدة للشيخ الحاج قاسم معروفة باسم "النقاب"، غناها فنانو الشعبي، توضح جيدا مسألة اكتساب المشيخة وشروطها، ومآل من يريد المشيخة دون شيخ.

سْلاَمِي لَلْاحْبَارْ سَدَاتِي لَشْيَاخْ                                لَفْضَالْ الْمَاهْرِينْ أَهْلَ عَلْمَ التَّارِيخْ

العياق[29] الرقايقية من الارخاخ[30]                         والغيث مع الوشاق[31] لا تعنى بمسيخ

الْجَاحَدْنِي بْحَالهم كبونفاخ[32]                               وانا ثعبان قاهر حنوش التوبيخ

                                             شيخ بلا شيخ كل ما يبنيه يسيخ

شوف النقاب جا يروم فخاخي                                       الزرار صابه ساخي

ما قرا لعقوبه واعماه رب الورى                                    وطاح في مصيدة لشياخ

                                                             بقى لا بيض لا فراخ

ويذهب الشيخ أحمد الرفاعي إلى أبعد من ذلك، وهو لا يؤمن تماما بشيء اسمه "العصامية"، بل ويوصي بتفادي التعلم دون معلم، فيقول:

يَا قَارِى فِي مْنَافْعَكْ لَا تَسْتَهْزَاشْ                             أَدْرَكْ عَلْمَكْ زِيدْ عَلْمَا لَا تَدْرِيهْ

وَتْعَلَّمْ فِي مْسَايَلْ لَا تَعْرَفْهَاشْ                 لَابُدِ يْجِيكْ وَقْتَهَا تَتْصَرَّفْ فِيهْ

حِكْمَهْ مَنْ غِيرْ شِيخْ لَا تَتْعَلَّمْهَاشْ                         مَا يَدْخُلْ فِي الْعْقُولْ عَلْمَ بْلَا تَنْبِيهْ

فكلمة "شيخ"، في استعمال الدزيريين، تحمل معاني التبجيل لما يحمله صاحبها
من علم ومعرفة وحكمة وورع وسلطة أتاحتها له الصفات المذكورة، حتى أن عبارة "فلان يتشيخ على فلان" تعني يقدم له عبرة وموعظة وحكمة.

ثانيا هذا التشابه بين فضاء عرس الشعبي والفضاء المسجدي، هو انفتاح الفضاءين على جميع الناس، دون تمييز ودون اعتبار لطبقاتهم الاجتماعية،
ولا لشكلهم الخارجي.

يجب أن ننتبه إلى أمر هام، وهو أن عرس الشعبي مفتوح للجميع دون دعوة
(بلا عرضه)، فالدعوة تقتصر على مأدبة العشاء. أما العرس فكان قديما مفتوحا لكل أهل الحي، وأصدقاء أهل العرس وأصدقاء أصدقاء أصدقائهم. ونميز في عرس الشعبي عدة أنماط من الناس، يجمعهم شيء واحد هو ولعهم بهذا الفن الموسيقي.

ومثل المسجد الذي لا يشترط على داخل المسجد هنداما معينا، لا يشترط عرس الشعبي على القادم له هنداما معينا، خلافا لما هي الحال في أعراس النساء،
أو في الحفلات الأخرى، فلك أن تأتي متأنقا في ثياب جميلة فاخرة، كما لك أن تأتي بثيابك اليومية. ويستثنى من ذلك شيخ العرس وفرقته الذين يجب أن يتميزوا هم

في ملبسهم. بل ويصل ذوبان الفوارق الاجتماعية بين الحاضرين في عرس "الشعبي"
أن يجلس الغني وصاحب الجاه والعالِم والمسؤول إلى جانب الفقير وغير المتعلم والعامل البسيط، بالشكل نفسه الذي يجلس فيه المُصلّون في المسجد دون اعتبار لهذه الفوارق الاجتماعية.

ولعل التراتبية الوحيدة التي تحكم جلوس الحاضرين في عرس "الشعبي" من حيث قربهم من "صوان العرس" أو بعدهم عنه، تخضع لمعرفتهم بهذا الفن، بغض النظر
عن مدى قرابتهم بصاحب العرس وبغض النظر عن السن، ما يؤهلهم لأمرين اثنين، هما تذكير "الشيخ" بما قد ينساه من القصيد، ودفعه إلى إجادة الأداء لإدراكه أنه أمام عارفين بهذا الفن، تماما مثلما هي الحال بالنسبة إلى الصفوف الأولى في الصلاة التي وإن كانت تعطي اعتبارا لعلية القوم بين المصلين، فإنها تقدم حافظ القرآن والعارف بالدين على من لا يحفظه وليس عارفا بالدين.

التشابه الثالث بين الفضاءين هو طبيعتهما باعتبارهما مكانين يخضعان لتنظيم معين تحكمه اعتبارات المُرسِل والمتلقي، فيتميز المنبر في الفضاء المسجدي بارتفاعه
عن باحة المسجد المنخفضة، ويتميز صوان عرس الشعبي بارتفاعه عن باحة العرس المنخفضة.

صحيح أن هذا النظام يحكم كل مقام فيه مرسِل ومتلقي، يكون فيه المرسل أعلى مرتبة من السامع فيزيائيا ومعنويا أيضا (علو العالِم على المتعلم)، إلّا أن هذا التميز يأخذ معانيه أكثر حين ننظر للأشياء التي تحيط بالمكان، بدءا بإصرار صاحب العرس على نوع من الكراسي (كراسي خشبية قابلة للطي) تتجاوز وظيفتها كوسيلة للجلوس
إلى وظيفة الأكسسوار الذي يعطي تمييزا لفضاء عرس الشعبي عن فضاءات المناسبات الأخرى، تماما مثل شكل السجادة التي تتميز عن باقي الزرابي والحصير.

كما يلاحظ على صوان عرس الشعبي إصرار صاحب العرس على جعل خلفيته عبارة عن زربية تحمل أحد المضمونين: إما مضمونا دينيا مباشرا يتمثل في صورة أحد الحرمين الحرم المكي أو الحرم المدني أو المسجد الأقصى أو قبة الصخرة، وإما مضمونا دينيا غير مباشر يتمثل في منظر من مناظر الطبيعة باعتبارها آية من آيات الله. هذان المضمونان سيتطابقان مع مضمون المدونة الشعرية التي سيٌغنّيها "الشيخ"، وهي
في أغلبها مدونة دينية أطلق عليها أهل الشعبي "الجِدُّ"
[33]، وحتى القصائد الأخرى
التي تندرج تحت ما اصطلح على تسميته أهل الشعبي والملحون "الهزل"
[34]، يختلق لها فنانو الشعبي وذواقوه تخريجات تخرجه من هذا المضمون "الهزل" إلى "الجد"،
من قبيل القول بخمر الجنة والتغزل بالكعبة
[35].

ويصر شيخ جوق الشعبي، من جهته، على إحضار كناش المدونة الشعرية
التي سيغنيها أو ما يسمى عند أهل الشعبي "الزمام"
[36] أو "الديوان"، سواء كان حفاظا لهذه المدونة أم لا. فالأمر يتعلق بإضفاء ضرب من ضروب الهيبة العلمية على هذا العرس المحفل، وإذا كان الحفظ شرطا أساسيّا في "المشيخة"، فإن للمكتوب هيبة أعلى من المنطوق وأكثر صدقية في مجتمع ومحيط تغلب عليه الشفهية. المكتوب
أو "الزمام" المصطلح الذي يطلق على كل منسوخ يحوي علما (زمام الطالب وزمام القاضي) يوثق للحضور المتن الشعري المغنى، ويهبه الصدقية والأصالة، ويعطيهم اليقين في أن ما ينشده الشيخ ليس حفظا مشوها أو محرّفا بل الرواية الصحيحة للمتن.

هكذا يبدو فضاء عرس الشعبي فضاء غير عاد لا يشبه فضاءات أية احتفالية أخرى، إنه فضاء طقوسي ذو أبعاد دينية، يشكل في مستواه الأول مساحة للفرح والاحتفال، لكنه في مستواه العميق هو فضاء تلتحم فيه الموسيقى والإنشاد وكل ملحقات المكان من أجل الارتقاء الروحي.

وإن كانت هناك محاولات لربط أغنية الشعبي بـ "المحشاشات" وفصله عن الخلفية الروحية التي أنشأته، مثلما فعلت المخرجة "صفيناز بوصبيعة" في فيلم "الغوسطو" الذي كان محاولة للادعاء بأن يهود الجزائر كان لهم إسهام في أغنية الشعبي، غير
أن ''الغوسطو'' '
'el gusto'' هذه اللفظة الإسبانية التي تعني الطعم، لم تستعمل لدى أهل الشعبي. كان  أهل الشعبي "الذواقون" و"الوالعون" حين يقصدون عرسا، إنما يقصدونه من أجل هدف تعبر عنه جيدا عبارة "نروحوا نستغلوا"، وهي عبارة تخالف تماما المعنى الذي تحمله "القسره"، العبارة تدل على استغلال وقت عرس الشعبي والخروج منه بأكبر فائدة ممكنة، وهي التدبر فيما يقوله "الشيخ"، وحتى التدبر
في الموسيقى باعتبارها أداة ووسيلة للارتقاء. لذلك نسمع في عرس الشعبي، حين يتحدث بعضهم مع بعض فيشوشون على الجوق والسامعين، عبارات من قبيل
"خليونا نستغلوا" أو "أعطيونا سوسطا"
[37]

ومن بين العبارات التي يرددها ذوّاقو الشعبي، وهم يتحدثون عن أداء الشيخ، قولهم: ''تْخَلْوَى''، و''رْكَبْ''، وهي مراحل شيخ "الشعبي" في تجليه، يبدأ بقطع العلاقة بينه وبين السامعين، يدخل خلوته فيرونه ولا يرى أحدا، بعدها يركب "براق" هذه الموسيقى هو وفرقته كي يرتقي إلى ملكوت آخر. أَلَمْ يُسمِّ الدزيريون عازفي البانجو
على يمين الشيخ ويساره "جْنَاحْتِينْ". إنها استعارة لجناحي هذا البراق الذي يركبه الشيخ إلى عالم من صفاء الروح، لا يلبث أن يرفع إليه كل السامعين.

طقس الحناء

يشكل طقس الحناء في عرس الشعبي

 التقدام

محمـد محمـد وصَلُّوا يا الأمه عليه                       

                                                     سيدينا واحبيبنا ويربح من صلى عليه

باسم الله باسم الله وباسم الله يبدا البادي

                                                   الصلاة على رسول الله هو سيد اسيادي

حنينه يا حنينه وحنينه في طبسي البار

                                                   يربطها سيدي وليدي وبجاه النبي المختار

وليدي قاعد على كرسي واصحابه عشره دايرن بيه

                                                   خده بن نعمان فاتح والا دم العيد رشه به

جزنا على ذيك المريجه واعجبني نوارها

                                                   هاذي مرتك يا وليدي وبين لبنات تختارها

هاذي عاده قديمه وخلاوها اللي فاتوا

                                                  يربطها سيدي وليدي وانشا الله لوليداته

يجازيكم يا جماعه ويا اللي حضرتوا كلكم

                                                  اليوم راهي عند وليدي ولعقوبه لوليداتكم

اعمر الزاهي "باع زهو الدنيا بشقاها"

وكأن الله سمع دعاءه "لا تحوجني يا كريم لليد أللي ما ترتا لي"، فخفف عليه ثقل المرض، وتوفاه في بيته، بحيه، بين أحبابه وعشاقه، عفيفا كريما، ولم ينقلوه إلى الخارج للعلاج، وهو الذي رفض أن يأخذه أي شخص للحج حيث علاج الروح، وقال:
"إذا ناداني المكتوب والتربة...نمشي نغنم ما غنموه عرب وعجم
".

شكل الشيخ اعمر الزاهي أو "عميمر"[38]، كما يحلو للجيل الجديد من سكان دزاير تسميته، والتصغير هنا دليل الحب والمودة، ظاهرة فنية متميزة، ليس فقط بأدائه المتميز الذي أسس لـ "شعبي ما بعد الاستقلال"، منذ تجديدات الشاعر الموسيقي الفذ الفنان محبوباتي[39] التي تلقفها أستاذه المباشر "بوجمعة العنقيس"[40]، في ستينات القرن الماضي، إنما أيضا للنهج الذي اتخذه في حياته دون غيره من الفنانين، فآثر الابتعاد عن الأضواء الإعلامية والرسميات، مكتفيا بحياته الفنية الشعبية البسيطة بجوار محبيه، من خلال إحياء أعراس الزواج والختان بالعاصمة، وبعدة مدن جزائرية.

تنقل الشيخ اعمر الزاهي إلى العاصمة وهو صغير، بعد أن تطلقت أمه من أبيه، فاستقر لدى جده بحي الرونفالي ، هذا الحي الذي قضى فيه كل حياته، وكان يُشَكِّل أحد هوامش حي القصبة العتيق، وهامش أغنية الشعبي التي رسم حدودها الحاج امحمـد العنقى، وتمرد عليها فنانو الهامش بدءا من خليفة بلقاسم ودحمان الحراشي وصولا إلى بوجمعة العنقيس واعمر الزاهي.

لم يكن لـ اعمر الزاهي أن يفلت من ربقة الكاردينال، فغنّى على مقاييس العنقى وقواعده "الزين الفاسي"، و"مرسول فاطمة" للشيخ محمـد بن سليمان، وغيرها
من ديوان "الملحون"، إلا أن روح الشاب الجزائري التي أنهكتها أوزار الاستعمار، وخيبتها إقصاءات الاستقلال، لم تكن لترتاح في أغنية تضيق على رومانسيتها
.

لعل سنة 1963 كانت منعطفا هاما في حياة هذا الفنان الذي سيشغل شباب العاصمة ويخرج أغنية الشعبي من كونها أغنية ذكورية محضة ويتغلغل بها
حتى إلى آذان النساء اللائي اكتشفن شكلا جديدا لـ "شيخ"، على هيبته وحيائه،
لم يخف عشقه الرومانسي، من "فطومة إلى "مريومة" إلى "زنوبة" إلى "حبيبة".

في هذه السنة التقى اعمر الزاهي بالفنان بوجمعة العنقيس، في دار أحد الذين شدوا بيده وأدخلوه عالم الشعبي، وهو محمـد ابراهيمي المعروف بالشيخ قبايلي. يومها كان المرحوم بوجمعة العنقيس والمرحوم عمر مكرازة شيخين في عرس زواج
"عبد الرزاق" بن الشيخ قبايلي، وطلب من اعمر الزاهي أن يغني قليلا، ويملأ فراغ الشيخين أثناء العشاء، فتردد اعمر الزاهي في البداية، قبل أن يوافق، لكن الشيخ عمر مكرازة رفض أن يلمس "مندوله"، فما كان من الشيخ بوجمعة العنقيس سوى

أن أعطاه مندوله. وكانت المفاجأة بالنسبة إلى الشيخ بوجمعة عندما سمع صوتا ظنه صوته نفسه، قبل أن يطل من شرفة البيت ويدرك أن الذي كان يؤدي "آمن تلومني كف اللومه"[41] للشيخ محمـد الريسولي إنما هو ذلك الشاب صاحب 22 سنة
اعمر الزاهي.

ربما هذه الحادثة هي التي جعلت للشيخ بوجمعة العنقيس مكانة خاصة لدى اعمر الزاهي حتى آخر أيامه، دون غيره من شيوخ الشعبي الآخرين أمثال الباجي وعبد الرحمن قبي وكمال بورديب وحتى دحمان الحراشي.

بعد ظهور قليل لسبع مرات بين التّلفزيون والإذاعة، وعدد مثلها من الأسطوانات وتسجيل "كاسيت واحدة"، أدرك اعمر الزاهي أن عالم الأضواء ليس عالمه، فآثر الابتعاد عن كل ما هو رسمي، إلى درجة أنه حين مرض وقررت الدولة التكفل بعلاجه
في الخارج، أياما قليلة قبل وفاته، كان المشكل المطروح أنه لا يملك بطاقة تعريف، وكان لابد من الإسراع في إخراجها له. واختار عزلة لا يملؤها إلا أصدقاء مقربون وأبناء الحي، وأعراس لا تعد ولا تحصى، زاهدا في كل شيء، شعاره في الحياة هي: "شوف لعيوبك
يا راسي وتوب لله"، وما غناه من قصائد في الجِدّ والتصوف
.

قال البخاري، قال سيدي لخضر بن خلوف

حلت نهاية الثمانينات، وشكلت أحداث 5 أكتوبر 1988 منعطفا سيغير مجرى حياة الجزائريين، سياسيا واجتماعيا وثقافيا[42]، وكان من نتائجه بداية حدة المد الأصولي
في مدينة محافظة ومنغلقة مثل مدينة الجزائر، على الرغم من انفتاحها ظاهريا، تحول العديد من فناني الشعبي إلى الأغنية الشعبية الدينية الصرفة التي تسرد قصص الأنبياء، أو تتوعد شاربي الخمر وتارك الصلاة، تحول بدأه المرحوم عبد المالك إيمنصورن
[43]، ثم الشيخ كمال بورديب، وغيرهما. وقبل هؤلاء كان هناك من توقف
عن الغناء لأسباب دينية، في بداية الثمانينات، مع ما اصطلح على تسميته "الصحوة الإسلامية"، كما هي حال الفنان "حسن كعوان"
[44] الذي لم يكتف بالتوقف عن الغناء، بل اجتهد في أن يجمع كل التسجيلات التي كانت له في السوق أو لدى معارفه وأتلفها، ويقال إنه اقترب من مسؤولي الإذاعة والتلفزيون وطلب منهم إتلاف كل تسجيلاته مقابل أن يتخلى عن حقوق التأليف. وهناك من قال إنه تصدق بكل الأموال التي جمعها من الحفلات التي أحياها في الأعراس، واشتغل في مخبزة لكسب قوته. وما لبثت الأوضاع أن انقلبت فشاع تحريم الموسيقى والغناء، واعتزل المرحوم الهاشمي قروابي الغناء وشاع أنه أصبح يؤذن بين الفينة والأخرى. هكذا بدأت تختفي أعراس الشعبي، وبدأت التهديدات تطال فنانيه، فغادر العديد منهم إلى دول أخرى، واختار آخرون التنقل إلى سكنات بأحياء أكثر أمنا. إلا واحد هو المرحوم "اعمر الزاهي" الذي بقي
في مسكنه وحيه ومدينته القصبة، قريبا من جوار ضريح حارس المدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي، بمقهى يسمى "مقهى الكواكب.

يقول الفنان عازف البانجو سيد احمد النقيب صديق اعمر الزاهي الذي عمل معه مطولا، قبل أن يعتزل الفن في موجة المد الديني الأصولي: "كان كلما يقولون له: قال الشيخ فلان (يقصد أحد رواة الحديث) يرد عليهم بـ قال سيدي لخضر بن خلوف".

ويتوقف المرحوم الزاهي عن الغناء، لم يكن ذلك خوفا، رغم أنه شهد اغتيال أحد أقرب أصدقائه المدعو "حوشين"، صاحب مقهى الكواكب التي كانت نقطة المركز بين بيته وبين حفل عرس يؤديه. توقف لأنه لم يكن يستسيغ أن أحدا بإمكانه أن يغني
في وقت تسقط فيه أرواح الناس بلا سبب وبلا معنى، بدليل أنه رفض عدة دعوات لإحياء حفلات بالخارج. كانت تلك وسيلته للتعبير عن رفضه لما آلت إليه أحوال البلاد والعباد، وطريقة للتعبير عن صموده أمام الآلة العمياء الحاصدة للأنفس
.

سنوات عسيرة يعيشها الفنان في حي القصبة والرونفالي، على مدى سنوات، انكب فيها على مدونة الملحون من جديد بقراءة أخرى، فرضتها عزلته وعزوبيته، حتى إذا عاد إلى عرس الشعبي كان "الصيوان" أو "التيندة" بمثابة محراب يحيا فيه حياة المتصوف.

على خلاف العديد من مغنيي الشعبي، كان اعمر الزاهي بعيدا عن غتبة الغير، بعيدا عن كل عُجْبٍ أو كِبْر، بعيدا عن كل حسد. كان "لاهي بهمُه" كما قال الشيخ لخضر بن خلوف. كيف لا وهو الذي لا يجد فرصة إلا وصاح بكلام الشيخ العربي المكناسي[45] في قصيدة "شوف لعيوبك يا راسي وتوب لله" التي قال في حوار[46] نادر
له مع الصحفي حميد كشاد إنها أقرب قصيدة له:

آراسي قلت لك عيب الناس نسيه                         عيبك فاق كل عيوب زاد تعداها

بنو آدم العبد الكاتبه تصيبه لا تخطيه               خلي العباد كيف قدر مولاها

من عصر شي حنظله ينسقى من ماها

آراسي آش ليك بعيب العباد                                  الخساره ثابته والفقر زياده

اللاهي بالعباد فعله صار فساد                            المصايب والنكاد عنه تزدادا

واللي ما تاب مات من غـيـر شهاده

آراسي غرك بك الشيطان واغواك                        واعمل لك من عين الفلوس بحيره

بسلاسل الحديد جرك للهلك اداك                      وارماك في مقابض الزمهريرا

وفضحك بين الناس يوم الأخيره

مول الغتبه حاز خمس عيوب كبار                      خود القول الصحيح وافهم تعباره

العجب والكيبر والحسد يعميو الابصار              مثل المكلوب سل عينه باظفاره

بالكذب والنفاق كان خلا داره

يقول عازف البانجو محـمد شلال الذي رافق اعمر الزاهي لفترة طويلة إن "الشيخ اعمر الزاهي كان بعيدا كل البعد عن المنافسة الفنية التي عرفتها الساحة الفنية لأغنية الشعبي، بما يعتريها من حسد وغتبة. كما كان كثير الاحترام للفنانين الآخرين". ويروي شلال، على سبيل المثال، أن "أحد سكان باش جراح أتى إلى اعمر الزاهي وطلب منه إحياء عرس له، فلما عرف اعمر أن الرجل من باش جراح رفض إحياء العرس، وقال له: عندكم شيخ كبير محمـد قطاف".

وكلما ابتعد الزاهي عن عالم الأضواء كان يقترب من نورانية بداخله قاده إليها فن "الشعبي" وقصائد بن خلوف وبن مسايب والمغرواي وقدور العالمي والنجار وآخرون، فتحول كل جمال إلى جمال الله وبديع صنعه وتحولت "ظريفة وزينب وموينة وطاهرة ورقية..."، وكل الريام اللواتي خرجن في قصيد "يوم الجمعة" إلى "أسماء للزهور في ربيع يؤكد عظمة الخالق"[47]، وكان "المحبوب" الأول والأخير هو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

هكذا كان اعمر الزاهي يفهم الشعبي وهكذا كان يتعاطاه في كل صبوحي[48]
(آخر انصراف في العرس مع مطلع الفجر) يقول:

هذا الشراب له أواني                           ما يذقه من هو جاهل

إلا من فهم المعاني                               ويكن في الحب واصل

أو متوسلا جامعا بين حضرة العرس وحضرة العرفان

مَنْ جَاكْ مَضْيُومْ زَارَكْ                                  يَمْشِي فَرْحَانْ زَاهِي

ثْعَالْبِي هَذَاكْ شَانَكْ                                       عْلَى الْخْدِيمْ لاَ تْكُونْ سَاهِي

لَحْبَابْ عَمْلُوا الْوِيلاَ                                       عَرْضُوا عْلِيَّ نْجِيهُمْ

الْفَرْحْ فِي دَارْ الْاحْبَابْ                                     يَا الله كَمَلْ لِيهُمْ

يَا قَاصَدْ بَحْرَ الْاكْوَانْ                                    صُبْحَةْ السَّبْتْ بَادَرْ

لْسِيدي قُطْبْ سُلْطَانْ                                  مَا خَابْ مَنْ جَاهْ زَايَرْ

يَا نَاسْ فِيَّ طًبِيعَهْ                                            مَا نْحَبْ غٍيرَ التْحَايَفْ

عْلَى الْمْلِيحْ رَاسِي نْبِيعَهْ                                  مْنَ الْغِيرْ مَانٍيشْ خَايَفْ

يبدو واضحا من النص أن الشاعر يتحدث عن حفل فرح، لكن هذا الحفل ليس حفلا عاديا إنه حفل يحضر فيه الولي الصالح حارس مدينة الجزائر وأهلها "سيدي عبد الرحمن الثعالبي"، "بحر الاكوان"، "القطب"، "السلطان" الذي لا يقصده أحد ويعود خائبا. وقد قيل الكثير عن سلوك الفنان اعمر الزاهي، في بساطته وتواضعه،
ثم اعتزاله الحفلات الرسمية، والتسجيلات الإذاعية والتلفزيونية، ثم رفضه التعاطي مع الإعلام.

يقول الراحل اعمر الزاهي، في حوار أجراه معه الصحفي حميد كشاد للقناة الإذاعية الثالثة، سنة 1987، في عرس بمنطقة القليعة، وهو ثاني حوار وآخره يجريه، موجها كلامه لرجال الإعلام: "ليس رفضا مني للصحفيين، ولكن عزفت عن الحوارات، لأنني ما زلت تلميذا، ما زلت أتعلم، أشكركم على أنكم مدحتموني كثيرا، الفضل
في الأخير يرجع لله ورسوله، وكما قال الأشياخ ما يستهل الشكر غير النّبي العدنان، ولكنني أفضل الغناء على الحديث".

لم يكن هذا التواضع وليد التجربة الفنية، إنما كان –حسب الذين عرفوا الفنان- "سمة وجبلة فيه وهو شاب، مثلما كان لديه ذلك النزوع نحو الوحدة والخلوة بنفسه، لكن ذلك لا يمنع من أن الشعبي كان له دور في تكريس هذه الصفات".

يقول مقربوه "كان اعمر الزاهي لا يحسن العربية الفصحى، فوجد في قصيد الملحون ضالته، وسمح له عكوفه على قراءة القصيد، خاصة قصيد "الجد" (المدائح النبوية والتوسلات والتغني بالكعبة) بأن يعمق زهده ويصقل عرفانه". حتى أن اعمر الزاهي حين سئل عن الفرق بين المعرفة وبين العلم، قال "المعرفة هي معرفة الله، وكما يقال، أطيعوا الله تروا العجائب".

من أين جاء هذا النزوع نحو هذا الزهد ونوع من التصوف البعيد عن مدارس التصوف ومداراته الفلسفية؟ لعل المسألة مرتبطة بيتمه من الأم، وغياب الأب الذي تزوج مرة ثانية وانتقاله إلى الغرب الجزائري، وضع فرض عليه عزلة عائلية رمته
في أحضان هذا الفن بكل حمولاته الدينية ذات الخصوصية.

يقول سيد أحمد النقيب "إن اعمر الزاهي لم يكن يجالس لا الذين هم في سنه
من الشباب ولا الذين هم من دون سنه، كان جليس شيوخ كبار غرست أقدامهم

في هذا الفن وفي الدين، أمثال الحاج مشنوعة والشيخ قبايلي والشيخ الصفاقسي، هذا الأخير الذي جالس رجال الإصلاح في نادي الترقي".

لكن الأقرب احتمالا لهذا النزوع هو أن موجة الأصولية الدينية أو ما سمي،
مع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، بـ "الصحوة الإسلامية" مع حدية مقيتة واكبها تراجع القيم الأخلاقية التي نظمت العلاقات الاجتماعية لأهل مدينة الجزائر جعلته ينغمس شيئا فشيئا في هذا الانطواء على النفس وفي هذا الفن الذي شاهد انسحاب أهله الواحد تلو الآخر بفتوى تحريم الموسيقى والغناء.

يقول اعمر الزاهي للصحفي حميد كشاد حين سأله: هل من الضروري أن يكون الفنان المؤدي للشعبي متدينا بالنظر للمدونة الدينية المغناة؟ "ليس بالضرورة، يمكن لغير المتدين أن يغني هذا الفن، لأن القصيد المغنى هو كلام شيوخ أتوا به من الكتاب والسنة، مع الوقت هذا الكلام سيؤثر فيه وسيتدين". ويضيف ردا على فتوى تحريم الموسيقى والغناء بالقول: "لست مؤهلا للفصل في الأمر، فالذين قالوا بتحريم الموسيقى والغناء علماء ولهم أدلتهم، والذين قالوا بجوازها علماء ولهم أدلتهم القوية". بل ويذهب أبعد من ذلك في مواجهة تلك الحدية المقيتة حين يسأل عن مساهمة اليهود في الغناء الأندلسي والحوزي والشعبي، بأن "الدين محبة والإسلام ليس فيه كره".[49]

خاتمة

عمليا كان اعمر الزاهي قد فصل في مسألة تحريم الموسيقى من جوازها، فقد استمر في تعاطيها، حتى حين انقطع عن إحياء سهرات الأعراس طيلة العشرية السوداء. ولم يكن تعلقه بالموسيقى تعلقا بالشعبي ومدونته الدينية، بل بكل الموسيقى أيا كان منبعها، فهو "يطرب للأندلسي مثلما يطرب لموسيقى بتهوفن وشوبان وموزار وكانت مصدر إلهام له[50].

روي الكثير عن أسلوب اعمر الزاهي في الحياة، عن تواضعه للناس جميعا،
وعن عطفه على الضعفاء والمحتاجين، كأن يغطي متشردا في ليلة باردة ببدلة كشمير أتته هدية ولبسها لأول مرة، أو إحياء حفل زواج أو ختان مجانا لعائلة محتاجة، وتقديم "الرشقة" هدية للطفل المختن، أو إرسال ظرف مالي لعازف غاب عن حفل بسبب المرض. كما روي الكثير عن استغنائه عن الناس، كرفضه ظرفا ماليا من وزارة الثقافة بـ 50 مليون سنتيم، أو رفضه عرضا من أحد الأشخاص لأداء الحج بالقول:
"لا أحد يأخذني للحج... "إذا راد المكتوب والتربة نمشي نغنم ما غنموه عرب وعجم"
[51]، أو رده على مبعوث من الرئاسة يعرض عليه المساعدة بالقول: "لو يتعب إنسان...
ما ياخذ إلا ما اعطى له"
[52] .

نحن أمام شخصيتين: اعمر الزاهي فنان الشعبي الذي شكل تجربة فنية متميزة
في موسيقى "الشعبي"، ربما هي التجربة الفنية الوحيدة في أغنية الشعبي التي كانت نفسها التجربة الحياتية لصاحبها، فكان "صيوان العرس" هو خلوته ومحراب عزلته أيضا، كأنه نقل عن مولانا جلال الدين الرومي ما قاله شمس الدين التبريزي رفيقه
في العشق الإلهي: "ضع نفسك في السماع، ابحث في نشوته عما لن تجده في الحياة الدنيا".

واعمر الزاهي الشخصية التي صنعها المخيال الشعبي، ولكنها شخصية كانت لها كل المقومات التي أتاحت لهذا المخيال الشعبي أن يشكل منها اعمر الزاهي الذي استغرق
عبور جنازته من المسجد البراني
[53] إلى مقبرة القطار[54] (300  متر على أكثر تقدير) ساعتين من الزمن لفرط زحمة مشيعيه.

حواشي سفلية

  1. [1] ستيفان زفايغ: كاتب نمساوي (1881- 1942) كان يحلم بالسلام، معاديا للنازية وللصهيونية، تنقل إلى بريطانيا ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وانتهى به المطاف إلى البرازيل التي وصفها بأرض المستقبل وانتحر فيها. المقولة من كتابه: "ثلاث شعراء في حياتهم: ستادال، كازانوفا، تولستوي".
  2. [2] الزاهي هو الاسم الفني أطلقه عليه الفنان الموسيقار وكاتب الكلمات كمال حمادي (اسمه الحقيقي العربي زقمان- 1936) حين سجل اعمر الزاهي أول أسطوانة له سنة 1968 ضمت أغنيتين هما "يا العذرا" و"جاهلة كل صاحب"، كلمات الشاعر والموسيقي محبوب صفر باتي. وكان قبل هذا الاسم الفني يلقب بـ "عمر الرونفالي" نسبة إلى مسكنه بالحي الأوروبي الملامس لحي القصبة من الجهة الغربية "la rampe vallée" (دربوز أرزقي لوني حاليا). كما كان يلقب بـ "عمر العنقيس" لتأثره في بداية حياته الفنية بفنان أغنية الشعبي "بوجمعة العنقيس".
  3. [3] عمر آيت زاي (1 جانفي 1941- 30 نوفمبر 2016) من مواليد قرية إيغيل باوماس ببلدية إبودرارن دائرة عين الحمام بولاية تيزي وزو، وهي القرية نفسها التي أنجبت فنان الأغنية القبائلية وشاعرها الفنان آيت منقلات.
  4. [4] الشعبي: تسمية أطلقت أول مرة، في سنة 1947، حين كان البودالي سفير مذيرا فنيا لإذاعة الجزائر، على الجوق الموسيقي لهذا اللون من الموسيقى والغناء الذي يسمى "المديح" وكان يقوده الفنان الحاج امحمـد العنقى، حتى يميز عن الموسيقى الأندلسية الكلاسيكية، لكن التسمية لم تعتمد رسميا إلا بعد الاستقلال، خلال الملتقى الوطني الأول للموسيقى الجزائرية سنة 1964.
  5. [5] في المتداول لدى سكان مدينة الجزائر قديما، وإلى سنوات بعد الاستقلال، المقصود بـ "دزاير" هو حي القصبة من مداخله الخمسة: باب جديد وباب عزون وباب الوادي وباب دزيرة وباب البحر، دون المدينة الأوروبية.
  6. [6] يحصي الفرنسي ألبير دوفولو في كتابه "المنشآت الدينية في مدينة الجزائر" 56 ضريحا، أغلبها اندثر، لكن سكان القصبة مازالوا يذكرونها، بعد أن تحولت إلى معالم وسميت الشوارع التي كانت بها والمحيطة بها بأسمائها.
  7. [7] أبو زيد عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي (786- 875 هـ / 1384- 1470 م) ينتسب إلى قبيلة الثعالبة التي تمكنت من السيطرة على مدينة الجزائر في نهاية الفترة الوسيطة. ولد ونشأ على الأرجح بوادي يسر، قبل أن يبدأ رحلة علمية قادته مع مطلع القرن 9 هـ / 15 م إلى بجاية وتونس ومصر والحجاز وبلاد الأتراك، أين تتلمذ على يد عدد كبير من العلماء، أبرزهم ولي الدين العراقي وأبو القاسم البرزلي التونسي. من مؤلفاته "الجواهر الحسان"، وهو مختصر تفسير ابن عطية، و"شرح ابن الحاجب" في الفروع الفقهية، و"الأنوار المضيئة الجامعة بين الشريعة والحقيقة".
  8. [8] من الأسماء التي تطلق على مدينة الجزائر اسم "المحروسة"، ولكن هذا الاسم لم يكن خاصا بمدينة الجزائر، فقد سميت به "القاهرة" و"طرابلس" ليبيا منذ أيام الفاطميين، مثلما لم يقتصر اسم "البهجة" عليها أيضا، فقد سميت به مدينة مراكش المغربية أيضا.
  9. [9] تنسب مدينة الجزائر إلى الولي سيدي عبد الرحمن، فيسميها الدزيريون: "بلاد سيدي عبد الرحمن"، ويرى العديد من الباحثين في التاريخ أن هذه الشخصية الدينية هي من وطدت المدينة الدولة للثعالبة بأن منحتها السلطة الدينية.
  10. [10] شيخ متصوف، تركي الأصل، توفي سنة 1554، عرف بخصاله الحميدة، وورعه، له مكانة مرموقة لدى الدزيريين تكاد تضاهي مكانة سيدي عبد الرحمن الثعالبي، وإليه تنسب الرواية كرامة رد الأعداء الإسبان سنة 1541 م، حين نزل إلى شاطئ تافورة (أسفل البريد المركزي الآن)، وضرب بعصاه فهيج البحر وقامت عاصفة دمرت الأسطول الإسباني. كانت له زاوية وضريح خلف مسجد كتشاوة، في سنة 1864 ألحقه الاحتلال الفرنسي ببناية "دير الرحمة"، ونقل ما تبقى من جثمانه إلى زاوية سيدي عبد الرحمن.
  11. [12] سيدي هلال ولي من أولياء القصبة، لا توجد عنه معلومات كثيرة سوى أنه عاش في القرن الـ 16، وله ضريح مازال موجودا عند مدخل باب الوادي، أسفل سيدي عبد الرحمن بالقرب من ثانوية الأمير عبد القادر (بيجو سابقا). عند الاحتلال الفرنسي في 1830 كان الضريح شبه مهمل، رغم أن الضريح كان من بين أشهر الأضرحة بالقصبة، ليس بسبب الاحتلال، بل لأن سكان دزاير انقطعوا عن زيارته بعد أن أصبح محيطه مرتعا للرذيلة وممارسة الشعوذة والسحر، وشاع بين سكان المدينة "ملح سيدي هلال" على أنه ملح يجلب إلى المكان ويحرق هناك لعمل سحر لشخص معين.
  12. [13] زاوية كانت على بعد درجات خلف مسجد بن فارس المعروف لدى الدزيريين بـ "جامع ليهود"، بعد أن هدم المسجد أيام الاحتلال وبنيت فيه شنوغة باسم "شنوغة الربي أبراهام بلوح. وبالتحديد بين شارع "كاتون" وشارع "كليبير". تقول الحكاية إن رجلا نزل الميناء حين بلغ أسطول شارلوكان الحامة، واحتل المكان من باب عزون إلى غاية كدية الصابون، فقامت عاصفة، واتخذ الرجل قدرا وألقاها على الأرض فتهشمت إلى قطع صغيرة، وأعاد العمل عدة مرات، رغم احتجاج صاحب هذه القدور. غير أن هذا الأخير أوقف احتجاجه عندما لاحظ أن سفينة إسبانية تتهشم على الشاطئ لكما ألقى الرجل قدرا فتهشمت. ما جعل الناس يعتقدون أن الرجل ولي من أولياء الله، وسموه "سيدي بوقدور". تنسب كرامة قيام العاصفة التي حطمت أسطول شارلوكان في أكتوبر1541 إلى أربعة أولياء صالحين هم سيدي داده وسدي بتكة وسيدي بوقدور ويوسف النيقرو.
  13. [14] توفي في 948 للهجرة، الموافق لما بين 1542-1543 م. مسجد سيدي امحمـد شريف مسجد حنفي، مازال قائما إلى اليوم، وتقام فيه الصلوات الخمسة.
  14. [15] مدرسة الصنعة من مدارس الموسيقى الأندلسية بالجزائر، شاعت بمدينة الجزائر وما جاورها مثل القليعة وشرشال والبليدة، بينما كانت مدرسة الغرناطي في حواضر الغرب الجزائري، خاصة تلمسان، في حين كان مدرسة المالوف في الشرق الجزائري وبالتحديد في قسنطينة.
  15. [16] الحاج امحمـد العنقى واسمه الحقيقي محمـد إيدير آيت وعراب، من عائلة ترجع أصولها إلى آث جناد، وبالضبط من قرية "ثاقرسيفت" ببلدية آزفون بولاية تيزي وزو، ولد بحي القصبة في 20 ماي 1907 وتوفي في 23 نوفمبر 1978. كان عازف إيقاع في فرقة الشيخ الناظور، ثم قاد الجوق بعد وفاة أستاذه وعمره 18 سنة. يعد عراب أغنية الشعبي ومؤسسها، بأن أدخل آلات جديدة إلى الجوق الموسيقي، على رأسها آلة "الماندول" التي يقول هو نفسه أنه صممها وأعطى التصميم لحرفي إيطالي يدعى "بليدو" فصنعها له، لتصبح هذه الآلة هي الآلة الأساسية في الجوق الشعبي. كما أثرى المدونة الشعرية لأغنية الشعبي بالعديد من قصائد الملحون التي تعود إلى القرن 16 وحتى بداية القرن العشرين سواء من شعراء جزائريين أو مغاربة.
  16. [17] القسره: ومعناها واضح من جذرها، أي تقصير الوقت وتمضيته، وهو أحد الأهداف التي كان يتوخاها عرس الشعبي قديما، وهو مرافقة الضيوف في سهرهم إلى غاية العودة إلى بيوتهم في الصباح، كون وسائل النقل قديما كانت غير متوفرة. غير أن هذا الهدف الظاهر الذي يبرر استمرار العرس من الناحية العملية، ما ينفك أن يتبخر حين يتحول العرس من وظيفة السمر إلى وظيفة طقسية الحاضر فيها "يَسْتُغَلْ"، أي يتدبر، كما سنرى لاحقا.
  17. [18] عرس الشعبي يبدأ بـ "التوشية"، وهي مقطوعة موسيقية جماعية تشكل مقدمة "النوبة الموسيقية"، كما في الموسيقى الأندلسية، يليها عدد من الانصرافات، وهي وصلة غنائية يؤديها الشيخ، ذات إيقاع رتيب، بعدها يأتي القصيدة، وهو على أنواع مختلفة، ثم المخيلص أو الخلاص الذي يفتح فيه المجال للرقص. ويتكرر هذا الأداء، بحسب مدة العرس الذي عادة ينتهي مع الفجر بانصراف أخير يسمى "الصبوحي"، يليه مخيلص للراقص بعنوان "تبقاو على خير".
  18. [19] في اصطلاح أهل "الشعبي" هناك فرق بين "الليلة" و"الظلة"، فالليلة  هي عرس الشعبي تقام في الليل. أما "الظلة" فهي حفلة على الضيق بعد الظهر، أي بعد الزوال، وهي عادة لقاء بين فناني الشعبي وبعض الذواقين، لمناسبات أخرى لا علاقة لها بالزواج أو الختان، كالعودة من الحج، أو ميلاد طفل، وفي حالات قليلة بمناسبة الختان. وقد تكون مجرد لقاء يجمع الفنانين والذواقين من أجل السمر وتبادل الخبرات والمعارف بشأن هذا الفن. وفي كل الأحوال، فإن "الظلة" ليست مفتوحة للجميع.
  19. [20] قديما كانت أعراس الشعبي تقام في وسط الدار بحي القصبة وجناين ديار الفحص بأعالي القصبة "الطغارا، السكالة، الأبيار، بوزريعة، دالي ابراهيم، الشراقة، بابا احسن، بئر مراد رايس...إلخ، وفي المقاهي، هناك تسجيل للحاج محمـد العنقى، في نهاية إحدى الأعراس، يقول فيه إنه اشتغل في عرس مع الشيخ الناظور، في 1923، بقهوة لارابي بزنقية فرينة). ويخطئ كثير من الذين درسوا ظاهرة "الشعبي" حين يتحدثون عن أعراس شعبي في سطوح القصبة، أولا لأن "السْطُوحْ" في القصبة لم تكن تقام فيها الأعراس، أولا: لأنه فضاء نسوي بامتياز، وكان يسميه أستاذ علم الاجتماع جعفر لسباط، وهو أحد أبناء القصبة "le cafe maure des femmes". ثانيا لأن سطوح دويرات القصبة كانت سطوحا ضيقة لا تتسع لإقامة "عرس". إقامة عرس الشعبي في السطوح جاء بعد الاستقلال ودخول الجزائريين إلى المدينة الأوروبية التي لم تكن شققها، على اتساعها، مواتية لإقامة عرس، فلجأ الدزيريون إلى سطوح العمارات الكلونيالية لإقامة الأعراس، واستمر الوضع إلى أن ظهرت "قاعات الحفلات" التي كانت حكرا في البداية على أعراس النساء فقط "الْمْسَامَعْ"، إذ لم يكن "الدزيريون" (سكان دزاير) يتصورون إقامة عرس شعبي في فضاء مغلق.
  20. [21] يعبّر الدزيريون على الأعزب الذي تقدمت به السنون ولم يتزوج بعبارة فيها نوع من الازدراء، فيقولون "عايش باباس"، لتأكيد قناعتهم بأن العزوبية صفة كهنوتية مسيحية.
  21. [22] الختان عند الجزائريين طهر، وبتر القلفة تخلص من دنس وثنية، وهي تعادل التعميد في المسيحية، فعلى الرغم من أن الختان ليس ركنا في العقيدة الإسلامية، بدليل أن الأحاديث الواردة فيه وردت في باب الطهارة لا العقيدة، إلا أن الجزائريين يعتبرون أن الطفل ما لم يختن لم يدخل الإسلام.
  22. [23] جمع "محشاشة"، وهي أماكن للسمر يرتادها متعاطو المخدرات، وسميت كذلك، لأنها مرتع لتناول الحشيش والأفيون.
  23. [25] المسيد تحريف لكلمة مسجد على اعتبار أن الدراسة قديما كانت في مدارس قرآنية
  24. [26] لفظة استعملها الدزيريون للتدليل على كل تسقيف فوق باب أو نافذة، سواء كانت من قرميد أو صفيح أو قماش. أصلها "tinda" باللغة الكتالونية وتعني الخيمة، وسمي صيوان العرس تينده لأنه عبارة عن نصف خيمة تغطي الجوق الموسيقي، مفتوحة على الجمهور.
  25. [27] لا يقتصر لقب شيخ على مغني الشعبي، بل أطلق اللقب على مغنيات الجوق النسوي أو ما يعرف بـ "المسامع"، فأطلق على "الشيخة يامنة"... و"الشيخة طيطمة"... و"الشيخة مريم فكاي"...، بل وأطلق على فنانين في ألوان فنية أخرى، سواء في المالوف مثل "الشيخ الحاج محمـد الطاهر فرقاني" أو في البدوي مثل "الشيخ حمادة". هذا اللقب سينقلب عليه في أغنية الراي، وسيعوضه لقب "الشاب"، كثورة على السائد الفني، في ما يشبه قتل الأب.
  26. [28] الشيخ مصطفى الناظور، واسمه الحقيقي مصطفى سعيجي (1874- 1926)، يعد أحد وجوه المديح في مدينة الجزائر وشرشال، عمل على جلب العديد من قصائد الملحون من الغرب الجزائري ومن المغرب وطوعها للطابع الجزائري، ويعتبر أستاذ الشيخ الحاج امحمـد العنقى ومعلمه، بعد أن ضمه إلى فرقته وهو صغير.
  27. [29] العياق، جمع عايق، ويقصد به الجهبذ صاحب الحس النقدي الذي لا يحسن الظن في أي كلام حتى ينتقده ويمتحنه.
  28. [30] الأرخاخ: جمع رخ وهو الطائر الأسطوري العظيم الحجم، وهي كناية عن العظمة.
  29. [31] الوشاق: الكلاب.
  30. [32] بونفاخ: "Couleuvre de Montpellier"، نوع من الثعابين يتواجد في شمال إفريقيا وأوروبا،  هو ثعبان كبير الحجم قد يصل حجمه إلى 3 أمتار، لكنه غير مؤذ للإنسان، بسبب وجود مخطاف السم في الجزء الخلفي من فكه العلوي، مما يجعله غير قادر على لذغ الإنسان. سمي بـ "بونفاخ"، لأنه إذ أحس بالخطر وقف مستقيما مثل الأفعى وأصدر فحيحا قويا لإخافة عدوه، ولكن دون أن يلذع.
  31. [33] الجِدُّ هو مصطلح لدى أهل الشعبي أطلقوها على مدونة الملحون الدينية، وتشمل مدح النبي، ومدح الكعبة والشوق إليها، والتوسل، والربيعيات.
  32. [34] الهزل هو مصطلح لدى أهل الشعبي أطلقوه على مدونة الملحون الدنيوية، وتشمل الغزل أو ما يعرف لدى أهل الشعبي بالعشاقي أو الغرامي والساقيات (الخمريات)، والحجام أو الوشام، والحراز والخصام.
  33. [35] هناك قصيدة غزلية للشاعر الشيخ عبد العزيز المغراوي بعنوان "شافت عيني يا راوي"، غناها الحاج امحمـد العنقى، وأضاف لها لازمة تقول: "مكة يا قلب الهاوي"، فتحولت القصيدة من قصيد غزلية "هزل" إلى قصيدة دينية "جد"، وشاعت بين كل أهل الشعبي وذواقيه على أنها قصيدة "جد". وفي حديث لعمر الزاهي مع بعض ذواقي الشعبي، عن قصيدة "يوم الجمعة خرجوا الريام" للشاعر مبارك السوسي، وهي قصيدة غزلية بامتياز، يقول عمر الزاهي: "إن أسماء النساء الواردة في القصيدة هي أسماء أطلقها الشاعر على الزهور ليتحدث عن عظمة الله وعظمة خلقه في الطبيعة"، محاولا بذلك إضفاء البعد الديني على القصيدة.
  34. [36] أخذ الجزائريون كلمة الزمام التي تعني ما يوضع في حنك الدابة واشتقوا من معناها عبارة "زم فمك" أي تحكم في لسانك، ثم استعملوا الزم بمعنى غلق الفم والسكوت، فقالوا في مثلهم "الفم المزموم ما تدخله ذبانه"، بعدها تحولت لفظة "الزم" إلى الغلق على شيء ما، ومنه كان "الزمام" لأنه يغلق في دفتيه على أشياء.
  35. [37] سوسطا "susta" لفظة تركية وتعني في صمت، "sus" معناها صه
  36. [38] التصغير هنا تعبير عن ألفة وسقوط حواجز الاعتبارات الاجتماعية، ولكنه في الوقت نفسه تعبير عن حب ومودة وألفة. 
  37. [39] هو محبوب صفر باتي (1919-2000) موسيقي وشاعر فذ، يعد منعطفا هاما في أغنية الشعبي نصا وموسيقى، ومؤسسا لما يمكن أن نسميه "شعبي ما بعد الاستقلال. كتب للعديد من فناني الشعبي أمثال بوجمعة العنقيس وعمر الزاهي والهاشمي قروابي، من أشهر أغانيه  كلمات وتلحين "البارح كان في عمري عشرين".
  38. [40] بوجمعة العنقيس، هو الاسم الفني الذي أطلق على الفنان بوجمعة محمـد (17 جوان 1927 - 2 سبتمبر 2015)، وهو تصغير للقب العنقى. ولد في حي القصبة، لكنه ينحدر، مثل العديد من فناني أغنية الشعبي من منطقة أزفون. يعد أحد الوجوه البارزة في أغنية الشعبي ما بعد الاستقلال، وأحد الوجوه التي اشتغل معها كثيرا الشاعر والموسيقي محبوب صفر باتي. يعتبر الفنان عمر الزاهي أستاذه وأباه الروحي في هذا الفن.
  39. [41] قصيدة للشاعر المغربي الشيخ محمـد الريسولي معروفة باسم "فطومة تقول لازمتها: إذا نموت بيا فطومه     لالة الحوريات الصايله على لريام زهي للعشيق رسامه آ باشة النسا فطوم
  40. [42] الفكر الأصولي المتطرّف بدأ في الانتشار بالجزائر العاصمة مع بداية الثمانينات، التي عرفت انتشار تسجيلات المصري عبد الحميد كشك، وكتب أبو الأعلى المودودي وبالأخص سيد قطب. كما عرفت عملا مسلحا محصورا قاده مصطفى بوياعلي وجماعته، لكن حدتها ازدادت بعد أحداث أكتوبر 1988 وخروج عدد من القيادات الإسلاماوية من السجن.
  41. [43] عبد المالك إيمنصورن (1955-2010) مغني شعبي من مواليد المرادية بالعاصمة، آثر أن يبتعد عن مدون الملحون القديمة سواء كانت قصائد دنيوية أو دينية، وآثر أن يغني قصائد كتبها هو مثل: قصة سيدنا يوسف. وقصيدة المومن والكافر، وقصة الشيطان.
  42. [44] حسان ناصر الدين كعوان (19 أوت 1955 – 22 فبراير 1995) ولد في القبة بالجزائر العاصمة، لكنه من أصول قبائلية أيضا. على الرغم من أنه لم يكن من تلاميذ الحاج امحمـد العنقى إلا أنه كان أكثرهم تأثرا وتشبها به في الصوت والأداء، وفي الالتزام بالمدونة التي غناها عميد الأغنية الشعبية، اعتزل الغناء في الثمانينات والتحق بالصحوة الإسلامية، اعتقل وسجن في سجن سركاجي، وفيه توفي بعد حادثة الهروب من السجن، إذ تلقى رصاصة في خضم تلك الأحداث.
  43. [45] الشيخ العربي المكناسي شاعر مغربي امتهن صناعة الأحذية، قضى جزءا معتبرا من حياته في الجزائر، فعاش في بجاية وفي عين البيضا حيث توفي سنة 1949. هو من الشعراء المفضلين لدى عمر الزاهي، له عددا معتبرا من القصائد في الحكمة والدعوة إلى الورع، منها قصيدة "شوف لعيوبك  آ راسي" و"البلا في الخلطه والربح في الاعتزال" و"لا تقطع لياس يا الراجي".
  44. [46] الحوار الإذاعي الوحيد الذي أجراه اعمر الزاهي مع الصحفي الراحل حميد كشاد للقناة الإذاعية الثالثة، وبث في 14 جوان . youtube.com/watch?v=6_j_TivPaP0
  45. [47] قصيدة يوم الجمعة خرجوا الريام للشاعر المغربي مبارك السوسي قصيدة معروفة وغناها العديد من فناني الشعبي، وهي قصيدة في الهزل ، إلا أن عمر الزاهي يعتبرها قصيدة في الجد، ويفسر أسماء النساء المذكورة فيها على أن المقصود منها هي الأزهار التي هي آية من آيات الله.
  46. [48] الصبوحي: هو آخر انصراب يؤدى في عرس الشعبي مع طلوع الفجر، يتبع بعدها بـ بروالي "تبقاوا على خير" ونهاية العرس. يقول بعض أهل هذا الفن القدامى إن استمرار عرس الشعبي إلى غاية الفجر فرضته في البداية الظروف الاجتماعية والاقتصادية للناس، إذ كان صاحب العرس لا يجد مناصا من تسلية المدعوين الذين انقطعت بهم وسائل النقل للعودة إلى ديارهم ولا مكان يسعهم للنوم، إلى غاية طلوع الفجر. ولعل أشهر صبوحي وأكثر شيوعا هو من شعر محمـد بن مسايب: نَجْمَ الدُّجَى عَسْعَاسْ وَاللِّيلُ رَاحْ مَا احْلَى الطَّرَبْ وَالْكَاسْ بِينَ الْمِلاَحْ قُمْ يَا نَدِيمْ قُومْ دِيرْ الْكُيُوسْ واسْتَيْقَظْ مِنَ النُّومْ وَاجْلَسْ جُلُوسْ كُفَ عْلِينَا اللُّومْ   زَهِّي النُّفُوسْ أو زجل آخر بعنوان: يا صباح الخير يا نعم الصباح بِأَبِي مَنْ زَارَنِى وَالْفَجْرُ لاَحْ وَنَسِيمُ الصُّبْحِ قُدْ هَزَّ الِّلقَاحْ وَشُعَاعَ الشَّمْسِ مِنْ عَلَى الْبِطَاحْ يَا صَبَاحَ الْخَيْرِ يَا نِعْمَ الصَّبَاحْ
  47. [49] من حوار أجراه صحفي القناة الإذاعية الثالثة الراحل حميد كشاد مع اعمر الزاهي
  48. [50] معروف عن اعمر الزاهي أنه، في صباه، كان ميالا للموسيقى الغربية، وبالذات إلى الفنانين الفرنسيين أمثال جاك بريل وشارل أزنافور وإديت بياف. وتحوله إلى موسيقى الشعبي كان في سن متأخرة من المراهقة. وهو في ذلك مثل أستاذه وشيخه بوجمعة العنقيس.
  49. [51] بيت من قصيدة للشاعر الشيخ محمـد بن مسايب التلمساني المعروفة باسم "فرجة الجبل"  والتي حربتها: فرجة الجبل وطواف البيت والكعبة من لا غنمهم يا حجاج واش غنم؟
  50. [52] مقطع من قصيدة زجلية معروفة في الأندلسي والشعبي مطلعها: يا من بالأوزار ظهري انحنى والعمر غادي كثر الاستغفار ارجع إلى رب العبادي
  51. [53] مسجد البراني، كان سكان مدينة القصبة ينقسمون إلى "البلدية" وهم السكان الذين يملكون إقامات داخل المدينة، و"البرانية" الذي هم غرباء على المدينة، وعليهم مغادرتها قبل أن تغلق أبوابها الخمسة عند غروب الشمس، وتفتحها عند الفجر، ومسجد البراني نسبة إلى الغرباء، وهو مسجد يقع خارج أسوار المدينة من ناحية الباب الجنوبية المسماة "باب جديد"، بالقرب من قصر الداي.
  52. [54] مقبرة القطار، هي مقبرة مدينة الجزائر الرئيسية، منذ الاختلال الفرنسي، أنشئت سنة 1838 بعد تدمير مقبرة سيدي عبد الرحمن الثعالبي التي حولت إلى حديقة "مارينغو" (براغ حاليا). يقال إنها سميت القطار لأن المكان كان به ورشة لتقطير الياسمين، لكن الأرجح أن الاسم له علاقة بتعريب كلمة "سركاحي" السجن الموجود بالقرب من المقبرة. وسركاجي بالتركية تعني قطار الخل، "سركه" تعني الخل بالتركية، و"جي" هي لاحقة تفيد النسبة إلى المهنة.

بيبليوغرافيا

  •  بابا عيسى، عبد الكريم. ربورتاج للتلفزيون الجزائري بعنوان"العنقى" [ فيديو[. يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=A7KAys5ckwQ
  • بن أحمد، أبو عبد الله محمـد، الحفناوي، أمقران السحنوني وسيفاوي، أسماء.(2007). ديوان ابن مسايب. وزارة الثقافة.
  • الزاهي، اعمر وكشاد، حميد. (1988، جوان14). حوار إذاعي للقناة الثالثة [ فيديو[ . يوتيوب. youtube.com/watch?v=6_j_TivPaP0
  • الزاهي، اعمر والعنقيس، بوجمعة. (2009، أكتوبر15). جلسة لدى أبناء الشيخ  قبايلي في منزلهم العائلي[ فيديو[ .يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=TW_Iz_PnZiE
  • موساوي، زينب وعمارة، علاوة. (2009). مدينة الجزائر في العصر الوسيط. مجلة إنسانيات،(44-45)، 25-42.https://journals.openedition.org/insaniyat/2110
  • Devoulx, A.(1870). Les Edifices Religieux De l’Ancien Alger.typographie bastide.
  • Klein, H.(1910). Pour nos mosquées, Le Comité du Vieil Alger. Feuillets d'El-Djezaïr, (1). 63-66.
  • [11] سيدي بن علي: أندلسي، تبناه الشيخ الولي أبو حفص عمار التنيسي وجعله وكيلا على الزاوية في حدود 1632. الزاوية كانت موجودة خارج باب الوادي.
  • [24] جمع "تْبَرْنَهْ" لفظة إسبانية "taverna" وتعني الحانة.

Cite this article

BERRACHED, M. (2024). البعد الصوفي في تجربة الفنان اعمر الزاهي بين الحضرة وعرس الشعبي. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 02(04), 45–71. https://turath.crasc.dz/en/article/albad-alswfy-fy-tjrba-alfnan-aamr-alzahy-byn-alhdra-wars-alshaby