الشاشيّة التونسية غطاء رأس رجالي، رمز و هوية. تراث ثقافي لامادي جدير بالصون و التثمين

صالح فالحي (مؤلف)
المعهد الوطني للتراث تونس.
29 – 58
تراثيات مغاربية
ع. 01 — م. 01 — 30/06/2023

Abstract

The Tunisian Shashiya : a men headdress, a symbol and an identity. An intangible cultural heritage that deserves to be preserved and valued
The Tunisian Shashiya represents an essential part of the national traditional dress, in addition to having been a marker that denoted the status and the person of its wearer, it also differed according to geographical regions. This Tunisian Shashiya is of high quality, and the stages of its manufacture refuse imitation to guarantee the quality of the product and to respect the origins of its manufacture. Therefore, special attention should be paid to this traditional dress, symbol of what it represents as an essential pillar of our heritage and our national character, and a component of our originality and our cultural and historical belonging. This depends on joint work and a collective awareness of all stakeholders, professionals, artisans, interested in heritage, researchers in its fields, decision-makers, for a policy that takes into account, preserves and benefits from the creativity and progress of this artisanal heritage. By setting up very precise rules to define the craftsmanship of the shashia, and highlight the extent of its influence internally and externally and constitute a scientific and practical document on this headdress, which is part of the traditional Tunisian costume. In this work we will adopt the image, statistics, forms, analysis and justification of everything related to the craft and the craftsman in order to bring it closer to the reader and enlighten him on the advantages and characteristics of this headdress, its types, forms and colors, in an attempt to stir up and stimulate anew the interest and consideration. However, despite its decline in popularity, the Tunisian Shashiya has remained steadfast and present as an essential component of Tunisian identity in the field of clothing and its specificities.

تقديم

لقد مثّلت الشاشية التونسية جزءا أساسيا من اللباس التقليدي الوطني، زيادة عن كونها تحمي الرأس من حرارة الشمس في الصيف أو لفح الهواء البارد في الشتاء. كانت تدل على مركز وشخص لابسها. فرجال القضاء لهم طريقتهم في لبسها تختلف بين القاضي المالكي والقاضي الحنفي، كما كانت تختلف أيضا حسب الجهات الجغرافية، فلكل منطقة طريقة لبس معينة، لذلك إذا ما نظرنا في فترات ازدهارها في السوق الداخلية تستطيع بها وبطريقة لبسها معرفة منطقة حاملها، لكن
في الوقت الحاضر وأمام مزاحمة منتوجات أخرى لغطاء الرأس الرجالي شرقية منها وإفرنجية بالأساس مست كافة شرائح المجتمع مع ما فرضته الحداثة على صنع الشاشية التقليدية توحدت تقريبا طريقة لبسها وفقدت روحها حيث كان كل نوع من المنتوج يمثل طبقية اجتماعية معينة، مرد ذلك إلى الضربات التي وجهتها الحداثة الوافدة من الغرب وخاصة في الفترة الاستعمارية واشتداد المنافسة الشرسة، حيث لم يوفق لا أهل الحرفة ولا المشرقين على القطاع في اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتها ومعالجة الكساد الذي أصاب منتجاتها. عدول الأطفال والشباب عن لباس الشاشية وعدم رغبتهم في امتلاك تقنياتها ومهاراتها مثل أهم عائق لهذه الحرفة، كما أدى إلى تراجع وضعف مرد وديتها المادية ومعاناة من بقي في القطاع من صعوبة توفير المستلزمات وتحصيل الأجر المادي للعيش[1].

في عهد ماض كانت من أهم الحرف المساعدة على الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي حتى إنها ارتبطت عند البعض بمفهوم البَلْدِية وبالحرفة النظيفة. وتمتاز الشاشية التونسية بجودة عالية، فهي ترفض الاقتباس أو التقليد وتتطلب مواد أولية بسيطة خاصة ومحددة وطبيعية ولها في كل مرحلة أدوات وتقنيات وطرق حرفية يدوية بالأساس لابد من تطبيقها، وفي ذلك احترام لأصول صنعتها وضمان لجودة منتوجها الذي يتطلب مدة من الوقت تراوح بين 3 و4 أشهر. إنها عمل حرفي يتطلب التريث والصبر فطرق إنتاجها مدروسة وليست اعتباطية تضمن جودة وسلامة المنتوج[2] كما تضمن حق الحرفي والمستهلك في الوقت نفسه، فليس بالسهل على أي كان أن يتقنها ويتمرس بآلياته إلا بعد المرور بمراحل التعلّم والتدريب على أيدي "معلم شواشي" يواكب ويعيش تقريبا كل المراحل الإنتاجية ويرصد كل مراحلها بدقة مع كثير من الصبر، خاصة وأنها حرفة تتطلب العديد من الأشخاص ابتداء من المعلم إلى الكباسة إلى عمال التبطين وعمال الصباغة.

لذا وجب رد الاعتبار لهذا اللباس التقليدي الرمز لما يمثله من ركن أساسي
في تراثنا وشخصيتنا الوطنية ومقوما من مقومات أصالتنا وانتمائنا الحضاري والتاريخي وهذا رهين عمل مشترك ووعي جماعي بين كل الأطراف من أصحاب المهن والحرفيون والمهتمون بالتراث والباحثين في مجالاته وأهل القرار لاتخاذ سياسة تراعي وتحافظ وتنهل من إبداعات هذا التراث الحرفي وتقدمه وتعرف بالقواعد الصحية والمضبوطة لفن حرفة الشاشية وتبرز مدى إشعاع منتوجها داخليا وخارجيا لتشكيل وثيقة علمية وعملية حول هذا اللباس الذي مثل جزء من الزي التقليدي التونسي. الغاية من ذلك إعادة الاعتبار بعد فترات التقلص والتراجع التي مر بها هذا القطاع والذي تسبب في إفقاده الصلة بالأجيال الحاضرة. وسنعتمد الصورة والإحصائيات والاستمارات والتحليل والتعليل لكل ما يهم الحرفة والحرفي حتى نبيّن مزايا وخصائص هذا اللباس وأنواعه وأشكاله وألوانه محاولة منا لإثارة وحفز الاهتمام به مجددا خاصة وأنه يمثل جزء ينصهر مع بقية أجزاء اللباس التقليدي وحتى الإفرنجي وتحقق الشاشية لحاملها الأناقة وجمال المظهر مع إضافات ومكملات أخرى لبعض الفئات الاجتماعية كالعمامة بمختلف أنواعها وألوانه، كما مثلت بعدها الجمالي من أهم أسرارها وخصوصيتها للوقوف في وجه الحداثة والتحديث، كما ازدهر استهلاكها في فترة الحماية في قالب أداة لمقاومة المستعمر والتشبث بالهوية الوطنية.

الشاشية التونسية تراث ثقافي لامادي (UNESCO, 2004)
(Babelon & Chastel, 1994) (البقلوطي، 2005)[3]

هل الشاشية التونسية تراث ثقافي لامادي كلباس رجالي؟ أم هي تراث ثقافي لامادي كمهارات وتقنيات ومعارف؟ أم الاثنان معا؟ وهذا ما سنقف عليه عند الشرح الإجرائي لمفهوم التراث الثقافي اللامادي وتعريفه كما ورد في اتفاقية اليونسكو لسنة 2003.

يستعمل هذا الاصطلاح "التراث الثقافي غير المادّي" نفلا إلى العربية من الاصطلاح باللغة الإنجليزية Intangible cultural heritage (ومرادفه باللغة الفرنسية المعتمد في بلاد المغرب العربيPatrimoine culturel immatériel). وانطلاقا من النصوص التي ثبتتها منظمة اليونسكو بشأن التراث الثقافي وخاصة ما يتعلق باتفاقية حمايته التي أمضت عليها ستون دولة بما فيها بعض الدول العربية. بيد أننّا نرجّح استعمالا لاصطلاح كالآتي "التراث الثقافي اللامادي" تجنّبا لكلمة "غير" ذلك أن هذه المفردة بقدر ما تفيد بمفهوم العكسية بقدر ما تؤكد على مفهوم "الغيرية". والحال أن الاصطلاح الإنجليزي(intangible) ومرادفه (immatériel) لا تفيد بذلك. ومن جهة أخرى، لا يتضمن التراث الثقافي ذاته وعكس ذاته، أو ذاته وغير ذاته، بل هو وحدة متكاملة، جانب منها ظاهر ملموس (وهو ما تجسّد في إنتاج الإنسان من مصنوع ومشيّد، الخ)، وجانبها الآخر المجرد، ذهني، تحفظه الذاكرة الجماعية ويعبّر عنه اللسان ويُستقرأ مما تراه العين وتلمسه اليد. ويتمثل هذا الجانب في المعارف الجماعية وحذق المهارات...والملكات الإبداعية الجماعية في مختلف مجالات الإبداع والابتكار وهو ينقل مواترة من جيل إلى آخر، ممثلا بذلك تراكم الذاكرة الجماعية. وبدونه لا يمكن لعناصر التراث المجسّد (المادي) أن يتواجد، وأحيانا بإمكانه أن يتواجد هو دون أن يتجسد في أشكال تراثية مادية. هذا الجانب من التراث هو ذات التراث وليس غيره، ومنه فإننا نفضل اعتماد اصطلاح "اللاّمادي" حيث تفوّق "اللاّ" المجرد والذهني. وأنظر بهذا الشأن بالإضافة إلى النص الملحق حول "التراث الشعبي بين المادّي واللامادّي" (UNESCO, 2004)، (Babelon et Chastel, 1994)، (أيّوب، 2007).

تعريف الصون : نعني به ضمان استدامة التراث الثقافي غير المادي بالممارسة المستمرة لهذه النوعية من التراث ونقله مع الإبقاء على قيمته ووظيفته بالنسبة للأشخاص المعنيين تهدف تدابير الصون إلى إنشاء ظروف عامة ومواتية لازدهار التراث الثقافي غير المادي تستهدف تدابير الصون عناصر محددة من التراث الثقافي غير المادي أو مجموعات من العناصر تواجه تهديدات أو مخاطر تحدق باستدامتها[4].

الإطار الزماني والمكاني لحرفة الشاشية التونسية

لا بد من الفصل بين عنصر المكان والزمان عند دراسة هذا العنصر الحرفي الثقافي، فمن حيث الصنع يتركز في مدينة تونس العتيقة والمناطق المجاورة لها وخاصة ذات الجالية الأندلسية. أما أماكن التزود بالمادة الأولية كالصوف تجلب من المناطق الداخلية والجنوبية وهي وسيلة اقتضتها نجاعة البحث ومرد ذلك إلى وضوح شبه تام لتموقع حرفة الشاشية والأنشطة المرتبطة بها في المقابل غموض وتداخل في أصولها وكيفية ومتى وردت إلى البلاد التونسية. أما الفضاءات الخارجية والمرتبطة بهذه الحرفة والموجودة تقريبا في الأجوار القريبة للحاضرة فهي كالتالي:

إن حرفة الشاشية هي عملية فنية تشكل سلسة من المراحل المترابطة والمتمثلة ببعضها البعض ولا يمكن المرور لمرحلة من مكان معين إلى آخر دون أن تكتمل التي سبقتها.

كما كان لهذا اللباس الرمز سوقا مثل فضاء تجاري وحرفي مؤطر إداريا له أمين وإدارة ولجنة حرفة له تراتيب مضبوطة جاري بها العمل.

الشكل 1 : تموقع حرفة الشاشية والأنشطة المرتبطة بها

المصدر : المؤلف

الإطار التاريخي

إن البحث في هذا الإطار محدود النتائج لغياب المستندات والوثائق التاريخية المدعمة والمحددة لتاريخ معين لظهور هذه الحرفة في بلادنا. كما أن البحث في مصطلحات هذه الصناعة و أصولها تحيلنا لمنطقة دون أخرى و في فترة دون أخرى (أغلب المصطلحات أندلسية) كما أن كلمة شاشية تحيلنا إلى منطقة "شاش" بإيران مما يفتح باب احتمال ورودها مع الفتوحات الإسلامية الأولى وخاصة مع الجنود الخرسانيين وفي بعض المصادر نجد الحديث عن وجود سوق للشاشية بالقيروان عاصمة الغرب الإسلامي مما يتيح لنا أن نتساءل هل انتقلت إلى الأمصار المفتوحة انطلاقا منها باتجاه المغرب والأندلس، ولكن الواضح أنه مع سقوط غرناطة (1492) وعمليا الاضطهاد المسيحي للأندلسيين المسلمين وهجرة ما عرف بالمورسكين إلى شمال إفريقيا (حوالي 30000) ومن بين ما حملوه من خبرات ومهارات حرفية إضافة العديد من التقنيات والفنون الأخرى المعمارية أو الفلاحية. ولعل أهمها صناعة الشاشية التي ازدهرت بالبلاد التونسية، ولئن أعوزتنا المصادر والمراجع في الفترات السابقة لرصد تاريخ هذه الصناعة التقليدية. المتأكد منه أن هذه اللباس اكتسب كل مقومات النجاح خاصة خلال القرنين 17 و18 ونصف القرن 19 مما جعل صناعته تمثل رافد من روافد الرقي الاجتماعي والاقتصادي لبعض العائلات الحضرية وحتى الوافدة ذات الأصول التركية أو الأندلسية والمحلية الوافدة من الأفاق، كما أن الظروف كانت ملائمة لازدهارها[5] وحملها من قبل أهل القرار ازدهار هذه الحرفة فكانت متعددة ومحددة ارتبطت بطبيعتها كحرفة تطبيقية ونبيلة... كما مثّل جامع الزيتونة القلب النابض للمدينة لما احتله كمركز ثقافي وحضاري وتاريخي وتعليمي للحضارة ففي ظل فترة الانتعاش التي عرفتها هذه الحرفة توسع مجالها الحرفي والتجاري بالمدينة العتيقة إلى أربعة أسواق. السوق الكبير، السوق الصغير، سوق سيدي بن عروس، سوق الحفصي. (إضافة الى أماكن أخرى خارج المدينة العتيقة كما تبينه الخريطة الموالية)

الشكل 2 : خريطة توسع المجال الحرفي والتجاري بالمدينة العتيقة

المصدر : المؤلف

كيف تصبح معلّم في صناعة الشاشية التونسية؟

وبالحصول على الإذن العلي يكون المعلم الجديد قد تحصل على أمر بمثابة شهادة الكفاءة المهنية وهي الوثيقة الرسمية التي تخول له بأن يتعاط صناعة الشاشية، وبأن يصنع ختم يكون به اسمه ولقبه وعلامته المميزة سيوقع به على ما يصنعه من شواشي.

الشكل 3 : مراحل تأهيل صانع الشاشية التونسية

المصدر : المؤلف

8

الشكل 4 : عيّنة من نموذج لأمر علّي صادر عن أحد بايات تونس يسمح للحرفي بصناعة الشاشية التونسية

المصدر : الأرشيف الوطني التونسي

المواد الأولية الأساسية لهذا اللباس الرمز

الصــوف: يوفر الصوف المستعمل في صناعة الشاشية في شكل خيوط مغزولة مستورد واقتضت الحاجة في بعض المرات لاستعمال الصوف المحلي الذي يعد اقل جودة عند إستعماله لصناعة الشاشية ذات الجودة العالية فإنه أصبح يجلب من الخارج جاهزا: فرنسا، المغرب، الصين، إسبانيا.

مراحل عمل الشاشية

هي عملية فنية تشكل سلسة من مراحل مترابطة ببعضها البعض ولا يمكن المرور لمرحلة من مكان معين إلى آخر دون أن تكتمل التي سبقتها. أنظر الرسم

تعرف نساء مدينة أريانة بحياكة الكبوس.

بعد أن يتأكد رئيس العمال من أن مادة "الشب" قد أزيلت تماما من الشاشية يأمر برمي الشواشي في مرميط آخر يحتوي على المادة الملونة ويحرص على أن يعدها بنفسه وتكون موافقة للمواصفات المطلوبة وتدوم المدة ربع ساعة ثم تخرج الشواشي لتوضع في إناء آخر ممتلأ ماء نظيف وتتواصل هذه العملية مدة طويلة إلى أن يتأكد من نجاح عملية الصباغة.

بالنسبة للشواشي ذات اللون الأحمر الداكن تدوم ساعة ونصف. وبالنسبة للشواشي ذات اللون الأحمر الفاتح تدوم 45 دقيقة.

مثـــال: كيفية إعداد مادة الصبغة: بالنسبة لـ 25 كغ من الشاشية يستعمل 1.5 م3 ماء + 3 كغ من مادة الكوشنية مع 500 غ من الطرطر مع 500 غ عفص مع الزاز.

المرحلة الأخيرة تؤخذ الشاشية للمعلم لكي يقوم بالتثبت من جودة العمل إلى جانب تقنيات ومراحل أخرى.

الشكل 5 : مراحل عمل الشاشية

المصدر : المؤلف

الأدوات

الأطراف المتدخلة في صناعة الشاشية

تمر صناعة الشاشية التونسية بالعديد من المراحل بأماكن مختلفة مما يضفي تنوعا على الأطراف المساهمة في منتوجها ومن أهم هذه العناصر نذكر:

والمسؤول والمشرف الأول على عملية الإنتاج في كل مراحلها، يحدد الكمية ويوفر المواد الأولية والأدوات اللازمة وينسق بين الجميع ويصل إلى هذه المكانة العملية والرتبة المهنية بعد الحصول على نيشان شواشي وهو علامة مميزة للحرفي يتحصل عليه بعد إتقانه لآليات الحرفة وبعد كسب ثقة الأمين ولجنة العشرة للحرفة بموافقة شيخ المدينة وصدور إذن عليَ عن الوزير الأكبر مما يكسبه الأهلية والخبرة الكافية لتعامل مع محيطه المهني

وتقول في هذا الصدد لوسات Lucette"وكل هذه التناقلات وهذه التحولات للمادة الأولية مسيرة من طرف معلمMaître بتونس. فهو الذي يوزع العمل وينسق بين حرف مختلفة ومستقلة".

الشكل 6 : المعلم: الشواشي ويعرف بـ "العرف"

المصدر : المؤلف

ويمكن تصنيفهم كالتالي

الجدول 1 : تصنيف الرتب المهنية

السن

الرتبة المهنية

من 7 إلى 20 سنة

صانع

من 20 إلى 40 سنة

قلفة

من 40 إلى 60 سنة

معلم

المصدر : المؤلف

هذه عناصر الإنتاج المتواجدة بالمتجر أما الأطراف الخارجية فستعرض لها تراتيبا.

وقد قدر الرحالة الفرنسي بيسونال الذي زار تونس سنة 1724 "أن القطاع ضم من 15000 إلى 20000 عامل (صناع، قلفوات، معلمية).

ونتيجة لهذا العمل المشترك والمعقد تتحصل على منتوج ذي جودة عالية قابل للاستعمال والترويج.

المنتوج

يُمثل المنتوج في حرفة الشاشية نتيجة عمل متداخل بين العديد من الأطراف للحصول على شاشية ذات جودة عالية ويتم ذلك وفي جميع مراحله تحت نظر "المعلم" صاحب الحرفة ويمكن دراسة المنتوج من حيث النوع أو اللون.

النوع: إن جودة المنتوج رهينة جودة المادة الأولية وخاصة الصوف وكذلك الصبغة الطبيعية القرمز ولقد تغيرت تسميات الأنواع من فترة إلى أخرى كما إرتبطت بعض أنواع ... كشاشية مجيدي، شاشية الباي، شاشية إسطنبولي:

وتعرف بالبلاد التونسية وخاصة الدواخل بتسمية "الكبوس"مهما اختلفت أنواعها وأحجامها وأشكالها وألوانه.

كما كانت تنقسم إلى أنواع:

إن نوعية الصوف وجودته واحترام مراحل الحرفة وتقنيات الصنعة والصبغة هي المحدد اتلجودة المنتوج هذا بالإضافة إلى أهلية ومهارة "المعلم الشواشي" أما على مستوى الألوان فالمعروف عن الشاشية التونسية هو اللون الأحمر وخاصة اللون الأحمر القرمز (نسبة لنبتة القرمز) واللون الأحمر بكل درجاته تقريبا. ومن الأنواع نذكر:

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-174.JPG

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-172.JPG

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-821.JPG

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-667.JPG

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-820.JPG

شاشية بالمكملات

شاشية بالكبيتش الطويل

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-804.JPG

شاشية بالكبيتش القصير: تعد هذه النوعية من الشواشي من أكثر الأنواع استعمالا عند رجال الدين والأئمة ورجال القضاء وكذلك سكان مدينة تونس او ما يعرف بالبلدية.

E:\Inventaire du costumes\chéchia\34-09-06-173.JPG

الشاشية الطويلة بالكبيتش: وتعد من أجود وأثمن الأنواع ويلبسها رجالات الدولة والاعيان، وتعرف كذلك بتسمية شاشية اسطنبولي لكثرة رواجها وتصديرها الى إسطنبول، وكذلك تعرف بتسمية شاشية مجيدي نسبة للسلطان العثماني عبد المجيد الدي كان لا يحمل غيرها من الأنواع.

AC:\Users\USER\Downloads\رررر.jpg

شاشية او كبوس المطهر: وهذه النوعية يحملها الطفل عند ختانه وتحمل بعض الرموز والعلامات والأشياء لتحميه تبعد عنه الشرور والحسد والعين، ومازالت جل العائلات التونسية تمارس هذه العادة ولا يتم ختان الابن الا بوجود الشاشية او كبوس المطهر مع بقية المكونات الأخرى، وبعد الختان توضع الشاشية بجانب الطفل المطهر وتوضع فيها الهدايا والتي تكون في أغلبها مالية من قطع نقدية.

D:\Felhi Othmen\IMAGE\1403092554116.jpg

شاشية او كبوس الرجل العادي: وهي شاشية عادية لا تكون عالية الارتفاع قليلة السمك في الصيف سميكة في الشتاء يحملها جل واغلب الرجال الكبار اما الشباب قليلا ما يحملها في المناسبات

 

ويكون المنتوج جاهزا للترويج والاستهلاك بعد مراحل عديدة ومدة تتراوح بين 3 و4 أشهر تطلبها صناعة الشاشية، ويلازم الشاشية علامة النيشان الموجودة على الشاشية عند الغسل (نشان ماء) وعند الصباغة (نشان صبغة) وكذلك على ورق اللف وهي علامة مميزة للشواشي تكون في شكل هندسي وذلك لتمييز بين البضاعة وتطرز بالخيط من الداخل لتفيد بأن المنتوج تم على يد حرفي شواشي معرف به وبمهارته وأهليته وهو ابن القطاع.

هذا وتفيد دراسة السوق الحالية إلى تنوع جديد في المنتوج خاصة الألوان التي تكاد توجد بأكملها كما أن الواجهة الأمامية من ناحية الجبهة أصبحت تحمل بعض الشعارات (كالعلم الوطني) كما طرز بالعقيق أو بخيط التطريز الملون أو المذهب لاستقطاب المرأة لاستهلاك هذا المنتوج ومن الابتكارات وجود شاشية ذات حزام جلدي دائري من الداخل لحمايتها من العرق كما يوجد بها غلاف داخلي شفاف من القماش حتى يقي الشاشية ،هذا المنتوج على غاية من الحرفية والدقة والجمالية الفنية التقليدية ميزته في المواد الأولية الطبيعية وقوته في الاستهلاك من طرف كافة الشرائح الاجتماعية و إشعاعه خارج تونس.

الحر فاء

ونعني به ترويج المنتوج واستهلاكه داخليا وخارجيا:

على المستوى الداخلي

مثلت الشاشية التونسية في فترات ازدهارها جزءا رسميا من لباس المواطن التونسي بكافة شرائحه صغار، كهول، شيوخ مما مكنها من كسب سوق استهلاكية داخلية هامة. بدأ تراجع الاستهلاك الداخلي نتيجة المنافسة الخارجية في البداية خاصة في النصف الثاني من القرن 19 رغم أقلية جودة المنتوج الوافد مقارنة بالإنتاج التونسي لكن في المقابل كان الثمن زهيدا مثل حوالي 10/1، ثمن الشاشية التونسية مما ساعدها في الانتشار بسرعة. كما أن في الفترات اللاحقة شهد المجتمع التونسي تغيرات على كل المستويات الاستهلاكية فظهر اللباس الإفرنجي لدى الشباب خاصة زمن الاستقلال وبعده كمظهر من مظاهر التقدم وسيطرة النظرة "المحتقرة" لكل ماهو تقليدي وحرفي والميول إلى كل ماهو آلي وصناعي كما تخلصت بعض الشرائح والفئات من استهلاك هذا النوع من اللباس خاصة الشباب وجزء هام من الكهول وأجهزة الدولة، فبقي الاستهلاك مقتصرا على بعض الفئات والرتب الاجتماعي كالأئمة والشيوخ وفي بعض المناسبات كالختان أو حفلات اختتام السنة لنشاط رياض الأطفال. على المستوى الخارجي (الكعاك، 1955) [6].

اكتسبت منتوجات الشواشية أسواق خارجية هامة ويعود ذلك لأهمية جودة هذا المنتوج مما جعلها تصدر إلى العديد من البلدان الإسلامية من بينها: تركيا، مصر، ليبيا، السودان، المغرب،ب لادالشام. وكذلك بعض البلدان الإفريقية : كالطوقو، مالي، النيجر، التشاد، السينغال. كما تفيدنا بعض المصادر والمراجع بأن بلدان كاليونان وفرنسا وبلغاريا وسربيا والبوسنا كانت من أهم الأقطار المقتنية للشاشية التونسية.

في هذا الإطار، يقول دونا "Dunant" : "ومن تونس تصدر الشاشية على إختلاف أشكالها إلى تركيا وإيران ومصر وباختصار إلى كل البلاد الإسلامية". وفي هذا الصدد تقول فالانزي "Valensi": "ومن ناحية أخرى فإن تونس بالرغم من المزاحمة الفرنسية والإيطالية تروج شواشيها في كافة ولايات السلطنة العثمانية من طرابلس إلى بلغاريا كما ترسلها إلى أجزاء المغرب وإلى إفريقيا السوداء".

phh

الشكل 7 : الإشعاع الخارجي للشّاشيـّـة التونسيـــة خلال القرن التّاسع عشر

المصدر : مأخوذة من Google بتصرف المؤلف

خاتمة

وأخيرا، ورغم التقلص والتراجع الذي شهدته صناعه الشاشية بالبلاد التونسية كمنتوج فقد العديد من أسواقه وحِرفييه ومستهلكيه، إلا أن تواصل وجودها كحرفه وتطويرها رهين بالعمل على تشخيص ومعالجة صعوباتها وذلك يعد من أهم الأسباب لإعادة هذه الصناعة إلى سالف مجدها كما ان الابتكار وتطوير المنتوج الذي لم يعد يقتصر على الرجال فقط بل شمل حتى النساء مع اضافات في اللون والتطريز في واجهة الشاشية كذاك ترويجها لسياح في ألوان وانواع متعددة كل هذا يعد حلا من الحلول لخلق سوق استهلاكية.

لا يفوتنا أن نؤكد أنه منذ إقرار يوم وطني للباس التقليدي (16 مارس من كل سنة) هنالك من الحرفيين من عاد إلى سالف نشاطه من جديد، فشهد السوق حركية وانبعاث روح استهلاكية جديدة لهذا المنتوج. إلى جانب حرص أهل القرار بسن إجراءات وقرارات تحمي السوق من بعض الأنشطة الدخيلة وتوفر التسهيلات والمادة الأولية (الصوف المستورد) وتخلق شريحة استهلاكية لهذا المنتوج كحملها من قبل أعوان الاستقبال في المؤسسات العمومية والخاصة وخلق بعض المدارس النموذجية ذات الزى التقليدي بالعديد من المدن العتيقة بكافة البلاد التونسية وحماية السوق من البضاعة الأجنبية ومن بعض المنتوج المحلي الذي لا يراعى قواعد الحرفة ويصنع خارج إطار السوق، ومراقبة أمين حرفته مثل (صناعة الشاشية من الموكآت).

ان القضاء على هذه التجاوزات يعد من الأولويات لخلق ديناميكية جديدة لهذه الصناعة كما أن التعريف بها عن طريق الإشهار وتسهيل عمليات الاستثمار بهذا القطاع وخلق جيل جديد من الحرفيين الشبان لأخذ المشعل، يُدعّم التواصل ويُنمى الترابط ويمثل أرضية مساعدة للمحافظة على هذا المخزون الحرفي ويسهم في الارتقاء به ويجعل منه مواكبا وملائما لكل التغيرات التي لا تزيد إلا تنوعا و نماء وفضاء وآفاقا أرحب للانتشار والترويج داخليا وخارجيا (بن مامي، 1998، ص. 53)[7].

لكن بالرغم من تراجع وتقلص رواجها الا انها ظلت صامدة وموجودة كمكون أساسي من مكونات الهوية التونسية في مجال اللباس وخصوصياته. إنها تقتضي عصرا ذهبيا جديدا، من التجديد والابتكار يّمكنها من ضخ دماء جديدة لإنعاشها من جديد مما يسمح بخلق جيل جديد من الحرفيين كفيل بفتح آفاق جديدة لمنتوجاتها واكتسابها سوقا استهلاكية قوية. ويعود إشعاعها على المستوى العالمي كسفير ثقافي عبر مصارف جديدة ترويجية لبضائعها توفر العيش الكريم لحرفييها وتساهم في تحسين الوضع الاجتماعي والاقتصادي لهم وتشهد فترات ازدهار ورخاء دائمة ومتواصلة.

وخلاصة القول، فإن للشاشية التونسية أسرارا وخفايا فهي حرفة معقدة ومتداخلة الاطراف والمراحل، تضفي على حاملها الأناقة وجمال المظهر. إنها منتوج ذا جودة عالية وكانت لها شعبية وجماهرية كبيرة للاستهلاك. وتعد من أعرق وأنجع وأشع الصناعات التقليدية التونسية غزت بمنتوجاتها تقريبا جل أقطار العالم في فترات ازدهارها.

Cite this article

FALHI, S. (2023). La Shashiya tunisienne : une coiffe masculine, un symbole et une identité. Un patrimoine culturel immatériel qui mérite d'être préservé et valorisé. Turath - Algerian Journal of Cultural Anthropology, 01(01), 29–58. https://turath.crasc.dz/en/article/alshashya-altwnsya-ghta-ras-rjaly-rmz-whwya-trath-thqafy-lamady-jdyr-balswn-waltthmyn