تقديم

عبد الوهاب بلغراس (مؤلف)
مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC، 31000، وهران، الجزائر.
7 – 9
عدد متنوع
ع. 04 — م. 02 — 31/12/2024

تتناول المقالات التي جمعت في هذا العدد المتنوع من مجلة "تراث" أصنافا شتى
من المظاهر التراثية. وهي إسهامات تتميز بالتنوع والتمايز والتداخل في الوقت نفسه. كما تناولت الإسهامات مناطق جغرافية مختلفة من الجنوب الجزائري، مثل منطقتي تيممون وتامنغست، وشماله، مثل الجزائر العاصمة وضواحيها، و من أوروبا وأمريكا. ومن حيث الزمان فتنتقل بنا المقالات عبر فترات عدّة من تراثنا. كما تنوّعت الفنون
من الأداء الغنائي الملحون أو الشعبي على وجه الخصوص وما يحمله من أبعاد روحية وصوفية، إلى القراءات في تأثير العوامل الخارجية المختلفة على البنية الثقافية للمجتمع والفرد في الآن ذاته.

وفي دراسة نقدية للموروث اللغوي والأدبي الأمازيغي بمنطقة تَوَاتْ وڤُورَارَة، وقف عاشور سرقمة من خلال مقاربة أولية للأعلام الجغرافية وإيزلوان آهليل مع تحليل المخطوطات القديمة وما طبع من مدوّنات بعد التحقيق والتنقيح، ناهيك عن الموروث اللغوي الشفهي الذي ما زال متداولا بالتواتر عبر الأجيال. وقد سجل الباحث مجموعة من القصائد أو إيزلوان احتفالية آهليل بمنطقة تيميمون مشيرا إلى الارتباط بين
ما هو مخطوط وما هو مطبوع وما هو شفهي وطبيعة العلاقة بين هذه المستويات
في الموروث المحلّي بالمنطقة.

وفي الإطار نفسه، وبناء على دراسة ميدانية للمجتمع التارقي، عالج عبد النبي زندري موضوع المخيال الأسطوري في بناء الموروث الشعبي من خلال بعض المظاهر الاجتماعية والثقافية لدى جماعة إموهاغ في تامنراست من خلال تحليل الولائم والمناسبات الدينية والاجتماعية. وأشار المؤلف، في هذا الصدد، إلى العديد
من الدراسات التي تناولت الموروث الشعبي انطلاقا مما سمّاه التوجهات الفكرية المتعددة والمختلفة.

وغير بعيد عن هذا السياق، وفي جانب فن الشعبي الجزائري، أسهم مهدي براشد بنص حول البعد الصوفي في تجربة الفنان اعمر الزاهي بين الحضرة وعرس "الشعبي". شكّل المضمون الديني والروحي هنا، معيارا أساسيا في اختيار فناني أغنية "الشعبي" بمدينة الجزائر لمدوّنة الملحون المغنّاة، وهي التي اصطلح على تسميتها بـ "الجِد" في مقابل المدوّنة ذات المضامين الغزلية والخمرية أو ما يسمى "الهزل". ومن أهم مجالات هذا "الجِدُّ"، كما يبيّن المؤلّف، اللون الغنائي الذي يسمى "المديح" ويتمثّل في مدح الرسول محمـد صلى عليه وسلم والتغزل بالكعبة المشرفة. يركّز هذا المقال على حفلات أعراس مدينة الجزائر التي تمسّكت أغانيها الشعبية بهذا البعد الديني والرّوحي إلى يومنا هذا، أين نجد قصائد الشاعر سيدي لخضر بن خلوف ومحمـد بن مسايب وقصائد
عبد العزيز المغراوي والشيخ محمـد النجار والعربي المكناسي، وكل ما تجسّده أغاني الفنان اعمر الزاهي.

وفي موضع آخر، يبحث خوصي أنطونيو غونزالاس ألكنتود من إسبانيا، وهو المتخصّص في الدراسات الأندلسية، وفي دلالات "الأندلس"، باعتباره معنى عابرًا للتاريخ، وما يجسّده عمليا من حيث الآثار المعمارية والموسيقى المسمّاة أندلسية. وعلى هذا الأساس، يقف المؤلّف على وقائع متباينة اتجاه الأندلس، تجمع بين الإسبانية والفرنسية والأميركية الشمالية. يبيّن المقال أن هذه الوقائع ظلّت موضوع اهتمام فكري وكبير لمدة ثلاثة قرون حيث قام بمقارنة الإنتاج الفكري لتلك المناطق الثلاث وتجلّياته، ويصل إلى ما سمّاه أفق ما بعد الاستعمار. يهدف المؤلّف من خلال مدخله التحليلي هذا إلى استنطاق صوت "الأندلس" عن طريق إعطاء صوت لأهلها، سواء كانوا من أصل إيبيري أو شمال أفريقي أو متوسطي.

وفي سياق مغاير، تناول سيدي محمـد لخضر بركة مسألة الغموض في هوامش النص أو ما يمكن تسميته بالحواشي، بناء على ما أسماه بالنماذج المقدّمة في الفضاء المفتوح، حيث لا تحكمها أيّة سلطة منهجية ولا تلتزم بأيّة لوازم من حيث النشر والتأليف ومقتضياتهما. يبني نصه من داخل فضاء المُدرِّس وهو يقوم بنقل المعرفة والآداب. كما يبرز المؤلّف تأثير انتشار التعليم في الجزائر على تعدد وتنوع القرّاء بشكل كبير وما حمله من تناقضات قد لا تتناسب مع مجتمع ذي تقاليد شفهية ولا يملك تقاليد الطباعة الخاصة به. ويشير في هذا السياق إلى ضرورة القيام بمراجعة بنّاءة وإعادة قراءة هادئة تمكّن من اكتشاف الآثار السلبية وأنماط الثقافة الاستهلاكية لهذه الظاهرة، خاصة على المستوى التربوي، حيث تحكمها لغة التجارة ومنطق القيمة الفكرية المضافة، وهنا يتحوّل الهامش إلى رهان إيديولوجي بامتياز.

وأخيرا، وبناء على قراءة نقدية لأعمال "إليزابيث فرنيا"، قدّمت لنا إليزابيث بيشوب من أمريكا، ما سمّته إعادة قراءة فرنيا انطلاقا من كتابها الموسوم "ضيوف الشيخ" والذي يؤرخ لتجربة أنثروبولوجية تتجاوز السيرة الذاتية لصاحبة الأعمال التي أقامت مدة طويلة في العراق. تعيد الكاتبة هنا قراءة فرنيا باعتبارها متخصصة أنثروبولوجية تتعايش إثنوغرافيا مع وسط عربي متميّز في شرق العراق، ثم لا تلبث أن تتحوّل
إلى مناضلة نسوية. بناء على تطبيق الذكاء الاصطناعي، أعادت الباحثة قراءة أعمال فرنيا "ضيوف الشيخ" من خلال نقدها لمسار المؤلّفة مركّزة على أهمية الفضاء المعماري في أي مجتمع باعتباره مؤشّرا رئيسيا لفهم السلوكات الاجتماعية المختلفة.

Citer cet article

BELGHERRAS, A. (2024). تقديم. Turath - Revue algérienne d’anthropologie culturelle, 02(04), 7–9. https://turath.crasc.dz/fr/article/tqdym