عرض نقدي لكتاب"الموسيقى العربيّة الأندلسيّة: نفح الأزهار السندسية في مجاميع النوبة الأندلسيّة" من تأليف سليم عبد القادر الحصّار

لامية فار الذهب (مؤلف)
مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية CRASC، 31000، وهران، الجزائر.
99 – 105
‫التراث الفني الموسيقي. نماذج و ممارسات
ع. 05 — م. 03 — 30/06/2025

شكّل كتاب "الموسيقى العربيّة الأندلسيّة: نفح الأزهار السندسية في مجاميع النوبة الأندلسيّة" من تأليف سليم عبد القادر الحصّار والصادر عن دار كنوز للإنتاج والنّشر والتوزيع بسنة 2023، عملًا موسوعيًا فريدًا في مجاله، ويتكوّن من أربعة مجلّدات يبلغ مجموع صفحاتها 1461 صفحة. تصدّر غلافه لوحة بعنوان "زوجة السلطان" للفنّان الإيطالي فيليبو باراتي Filippo Baratti (1849-1936)، المعروف بلوحاته الاستشراقيّة، في إحالة رمزيّة على الجوّ الفني والثقافي الذي يغمر هذا العمل.

سليم عبد القادر الحصّار من مواليد مدينة تلمسان، أستاذ محاضر بالمدرسة العليا للتسيير بتلمسان  (ESM)وهو مؤلّف لعددٍ من الكتب[1]. يقدّم من خلال هذا المشروع العلمي جردًا موسيقيًا وتحليلًا أدبيًا واسعًا لمجمل التراث الغنائي المرتبط بالموسيقى الأندلسيّة في الجزائر، بمختلف أساليبها وتياراتها الكبرى، وهي: "غرناطة"، "الصنعة"، و"المالوف"، بهدف توفير مرجع شامل يجمع النصوص المغنّاة التي ما تزال متداولة أو تلك التي تمّ حفظها عبر القرون.

امتدّ العمل على مدى خمس سنوات من البحث، بمساعدة وتوجيه كبار الشيوخ والفنانين والموسيقيين والباحثين. وقد اعتمد المؤلف على مجموعة من المصادر والمراجع تتوزّع بين أنطولوجيات جماعية، وثائق أرشيفية، مخطوطات من القرون 18 و19 و20، أرشيفات الرباط وتطوان، ومخطوطات من تلمسان والجزائر عموما.
وثمّن المؤلف عاليًا دور المعلّمين الكبار في تلمسان، الجزائر العاصمة، قسنطينة، معترفًا بكل تيار موسيقي ومدرسة أسلوبية
.

توزّعت مضامين العمل على أربعة مجلّدات، بحيث احتوى المجلّد الأول على نوبات الديل، ورصد الديل، والماية، وانصرافات الموال، ومخالص الموال، بالإضافة إلى مقدّمة تحليلية مطوّلة عن هذا التراث. أمّا المجلّد الثاني، فجمع نوبات رمل الماية، والحسين/العراق، والغريب، والرصد، والجاركة، وغريب الحسين، وعراق المطلوق،
إلى جانب انصرافات العراق المحصور، وساحلي، ومخالص رمل الماية. وضمّ المجلّد الثالث نوبات الزيدان، ورمل العشيّة، والمجنّبة، ومخالص طبع الزيدان. بينما خُصّص المجلّد الرابع لنوبات السيكة والمزموم، وللانقلابات المختلفة مثل الموال، ورمل الماية، وعراق المحصور والمطلوق، والجاركة، والزيدان، والسيكة، والمزموم، والساحلي.

كما شمل سليسلات الإيقاعات المتنوّعة، ومجموعات قسنطينة، والاستخبارات.

في المجلد الأول مقدمة شاملة، يعالج فيها المؤلف الأصول التاريخيّة للموسيقى الأندلسيّة، مؤكدًا على أنها تمثّل بُعدًا عميقًا من الذاكرة الجماعية الجزائرية، وهي مرتبطة بالحياة الثقافيّة والفنيّة لمدن عديدة، مثل تلمسان، الجزائر العاصمة، قسنطينة، وهران، البليدة، بجاية، وعنابة. ويُشبّه الحصّار هذا الفنّ بمغامرة حضارية طويلة، جسّدت روح الانفتاح الثقافي والتعدّدية في المجتمع المغاربي. ويعتبر أنّ ديوان الشعر المغنّى يشكّل مرآة لهذا التراث الأندلسي الذي انتقل جيلاً بعد جيل، داعيًاإلى إعادة قراءته ضمن سياقه الحضاري. يركّز المؤلف على أنّ هذا الفنّ هو ثمرة لتلاقح ثقافي مستمر بين الأندلس والمغرب العربي، وهو ما يدعو إلى دراسة دقيقة ومنهجية لتطوّره الاجتماعي، والتاريخي، والأدبي.

ومن القضايا البارزة التي يثيرها الباحث العلاقة بين اللغة والموسيقى، حيث يرى أنّ التفاعل العضوي بين العربية الفصحى واللهجة الدارجة المعاصرة المكتوبة يعكس فرادة الثقافة المغاربية. ويعتبر أنّ المتن الشعري الذي يتغذّى منه هذا الفنّ يمثّل أحد أقدم الشواهد على تطوّر اللغة العربية في المنطقة، إذ يشتمل على موشّحات وزجل،
إلى جانب ما يسمّيه "الزجل البلدي"، وهو نصّ أدبي لا يصنَّف ضمن الأدب الشعبي البسيط، ولا ضمن الأدب النخبوي المحض. ويشير المؤلف إلى صعوبة توثيق هذه النصوص لكونها كانت محفوظة في الكناشات، ومتناقلة شفويا بين المعلّمين والممارسين، قبل أن يتمكّن من استعادتها بمساعدة شيوخ وفنانين، وبدعم من وثائق أرشيفيّة ومخطوطات نادرة تمّ جمعها من مكتبات وأرشيفات في الرباط، تطوان، تلمسان، والجزائر العاصمة
.

يتوقّف المؤلف أيضا عند غياب أسماء الشعراء في هذا التراث الغنائي، معتبرًا أن هذا الغياب يطعن في فهم التطوّر الأدبي والفنّي لهذا الفنّ، ويُضعف من قدرة الباحث على تتبّع تطوّره ومضامينه. لذا، عمل على تحديد الهويّات الشعرية للنصوص المستعملة في النوبات، في محاولة لإحياء هذا البعد المنسي من الذاكرة الجماعية. ويحرص على القول أن تحليل مدوّنة النصوص يمثّل مدخلًا لفهم تطوّر هذا الفنّ
من خلال مادّته الشعرية والغنائية، مؤكدًا ضرورة تجاوز الحفظ الشفوي للنوبات، لبناء دراسة علميّة نقديّة حديثة
.

يرى المؤلّف كيف أن تسميات "غرناطة"، "الصنعة"، و"المالوف" تندرج ضمن مقاربة تحاول فهم الهوية الجغرافية والتاريخية لهذا الفنّ، حيث يرى أن غرناطة، آخر حواضر الأندلس الإسلامية، كانت المرجعية الرمزية الكبرى، التي ورثتها تلمسان بامتياز. ويبرز أن هذه الموسيقى، التي عرفت استقرارًا في عدد من المدن المغاربية، مثل فاس، تطوان، بجاية، قسنطينة، تونس، وغيرها، أصبحت اليوم جزءًا من النسيج الثقافي الوطني. وتمتدّ جذورها إلى الأدب العربي الوسيط، من القصائد الفصحى إلى الزجل الشعبي، كما أن شعراء أندلسيين كبارًا، مثل ابن خفاجة، وابن زيدون، وابن قزمان، كانوا من روّاد الموسيقى الأندلسية. ويتوغّل المؤلف في تحليل محتوى النصوص الغنائية، مبرزًا البعد الأخلاقي والاجتماعي والروحي الذي تحمله، ومشيرًا إلى أهمية استعادة هذه النصوص واستثمارها علميًا وثقافيًا. ويُشير أيضا إلى مفهوم "النوبة" بوصفها البنية الفنية الكبرى لهذا التراث الغنائي، مبيّنا أنّ عناصرها تتكوّن من مقاطع آلية وغنائية منظّمة وفق إيقاعات دقيقة. كما يشير إلى أن الفروقات بين المدارس الكبرى في الجزائر (تلمسان، الجزائر، قسنطينة) لا تكمن فقط في المضامين، بل تشمل كذلك الأداء، الآلات، والتأثيرات الخارجية، كاستخدام بعض الفرق لآلات غربيّة تحت تأثير المعاهد الموسيقية، في حين حافظت المدرسة "الغرناطية" على أسلوبها التقليدي.

أمّا عن أصل هذا الفنّ، يُبرز الكاتب تطوّره من فنٍّ خاص بالموالي في قصور قرطبة إلى فنّ شعبي احتفالي في البلاد المغاربية، مبيّنًا أن زرياب بن نافع، الشاعر والموسيقار العربي من أصل فارسي، هو واضع أسسه الأولى، حيث أسّس نظام النوبات، وابتكر أنماطًا لحنية جديدة في بلاط قرطبة. وانتقلت هذه الأنماط إلى البلاد المغاربيّة بعد انهيار الخلافة الأموية، خاصة بعد سقوط قرطبة، إشبيلية، ثم غرناطة، ما أدّى
إلى هجرات فنية وعلمية كبيرة نحو المدن المغاربيّة. وكانت تلمسان من أبرز المدن التي استقبلت هذا الإرث، واحتضنته وواصلت تطويره ضمن تقاليدها المحلية
. كما يربط المؤلف الموسيقى الأندلسية بفضاءاتها الرمزية والروحية، مشيرًا إلى أن المدن المغاربية لم تكن مجرّد حاضنات جغرافية، بل مثّلت بيئات إنتاج وإبداع وكتابة، مشبعة بعادات المدينة وحضارة العثمانيين. ويُبرز أيضًا ظهور تيارات كلاسيكية جديدة حافظت على الشكل التقليدي، في مواجهة التحولات المعاصرة.

ويتتبّع الحصّار تطوّر الموسيقى الأندلسيّة من القصيدة العروضية الكلاسيكية، إلى الموشّحات التي ظهرت منذ القرن الثاني عشر، والتي تميّزت بحرّية إلهامية ولغوية أكبر، باستعمال اللغة المحكية والقوافي المتنوّعة. كما يشير إلى إسهامات فكرية مهمّة، من قبيل أعمال التيفاشي ، وابن باجة، اللذين فسّرا أبعاد التمازج بين الثقافتين العربية والأمازيغية في تكوين الذوق الموسيقي المغاربي. ويستند في تحليله إلى عدد من المراجع الكبرى مثل ابن حيان في "المقتبس في تاريخ الأندلس"، وابن باجّة في نقده للأدب الموسيقي الرسمي، وأحمد التيفاشي القيسي في تفسيره للتمازج الثقافي العربي الأمازيغي. كما يفرد المؤلف حيّزًا مهمًّا للشعراء الذين أغنوا هذا التراث، من شعراء كبار في العهد الزياني، مثل ابن أخميس، وابن بنا، وأبي جمعة التلالسي، والحوضي،إضافة إلى شعراء لاحقين ينتمون إلى التيار الشعبي، مثل سعيد المنداسي، أحمد بن تريكي، محمـد ابن مسايب، وبومدين بن سهلة، وصولًا إلى ابن دبّاح. ويوضّح أن هؤلاء نظموا نصوصًا تتراوح موضوعاتها بين العشق والتأمل الديني، والخمرة، والمناجاة، والحنين، ما يعكس تنوّع الأذواق وتعدّد الأبعاد. ويضيف أنّ هذا الإرث لا يمكن فهمه إلا باستحضار الذاكرة التي نقلتها أجيال من المعلّمين والمنشدين، وبدراسة أعمال مؤرّخين وفنانين مثل ابن حيّان، التيفاشي، الونشريسي، المقّري، بخوشة، وغيرهم.

يُخصّص المؤلف بعدها قسمًا هامًا لتحليل مدونة الشعراء الجزائريين والمغاربة الذين أغنوا التراث الأندلسي، من العصور الوسطى، ومن التيار الشعبي الكلاسيكي، كما يستعرض أسماء أعلام الموسيقى الأندلسية في القرنين 19 و20 مثل الطاهر الفرقاني، عبد الكريم دالي، محمـد خزنادجي، الشيخة طيطما ...، و يُشير أيضا إلى أن الموسيقى الأندلسية أثّرت وتفرّعت في أنماط أخرى مثل الحوزي، العروبي، الشعبي، المحجوز، الغربي، الحوفي، وهي أنماط تعكس اختراق الروح الشعبية للتقاليد الأندلسية، وإعادة تشكيلها بما يتوافق مع السياقات المحلية. ويبرز أن هذه الموسيقى، رغم نشأتها في أوساط النخبة، أصبحت اليوم جزءًا من وجدان الشعب، وهو ما يدعو إلى دراستها باعتبارها مرآة للهوية الوطنية والثقافة المغاربية الأصيلة. كما يُعالج الكتاب أيضا مسألة الإيقاع باعتباره جوهرًا أساسيًا في البنية الفنية، ويعرض تنوّع المقامات (الطبع، النغمة، الميزان...)، و يربط بين الأنماط الأندلسية الكلاسيكية وبين ما تفرّع عنها في الفنّ الجزائري الحديث.

ينهي المؤلف عمله بالتذكير بأهمية اعتماد مقاربة علمية نقدية لفهم هذا التراث العريق وعلى ضرورة مواصلة البحث العلمي في هذا الحقل، عبر اعتماد قراءة جديدة تُعيد الاعتبار للذاكرة، وتُسلّط الضوء على المسارات التاريخية والإبداعية للموسيقيين والشعراء، بما يسمح بتجديد آفاق الموسيقى الأندلسيّة، وصيانتها من النسيان والتشويه.

يُمثّل هذا المؤلَّف، الممتدّ على أربعة مجلدات، أحد أبرز الأعمال الحديثة التي تناولت دراسةً منهجية دقيقة للموسيقى الأندلسية، لا من حيث جمع المتن الغنائي وتوثيقه فحسب، بل من حيث تحليله الأدبي والموسيقي والاجتماعي، ما يجعله مرجعًا رائدًا للباحثين في مجالات الموسيقى، والأنثروبولوجيا، والتاريخ الثقافي، واللسانيات...إلخ. وينطلق الكاتب من مقاربة شاملة ترى في هذا الفنّ تعبيرًا حضاريًا مركّبًا، نابعًا من تربة الأندلس، ومتجذرًا في البيئة المغاربية، وبخاصة الجزائرية، وهو بذلك يسدّ ثغرة في البحث الموسيقي المغاربي المعاصر، حيث ظلّ هذا الإرث قليل التّناول أو غير مُعالج معالجة علمية وافية.

وتكمن القيمة الكبرى لهذا العمل في ما يُتيحه من متن "Corpus" نصي وموسيقي واسع، موثّق بدقّة، ومصنّف حسب النوبات والأنماط والأساليب. وقد تمّت مرافقة ذلك بجرد للمتون الشعرية، وإبراز لأصولها، وتحديد لهويات أصحابها، ما يشكّل إسهاما مهما في حفظ الذاكرة الثقافية، ويُجنّبُ هذا الفن خطر الضياع والتشويه. كما يُعدّ توظيف المؤلّف للوثائق والمخطوطات، والأرشيف، ومقابلاته مع المعلّمين والفنانين، إضافة إلى استناده إلى معايير علمية صارمة في التوثيق والتحقيق، دليلًا على جدّية الطرح وعمق المشروع. ومن شأن هذا أن يمنح الباحثين المتخصصين أداة عمل متينة لاستكمال الدراسات المقارنة، وتحليل التحوّلات الأسلوبية والجمالية التي عرفتها مسيرة الموسيقى الأندلسيّة.

أما بالنسبة لآفاق المستقبل، فإنّ هذا العمل يمهّد الطريق لعدة مشاريع بحثية، تتمثّلُ في إقامة قاعدة بيانات رقمية للنوبات والنصوص الشعرية، وإتاحتها للدارسين والموسيقيين، إضافة إلى تطوير تطوير دراسات مقارنة بين مدارس تلمسان، والجزائر، وقسنطينة، من جهة، وبين نظيراتها في فاس وتطوان وتونس من جهة أخرى، إلى جانب تحفيز البحوث النقدية حول اللغة الشعرية في الموشّحات والزجل، وعلاقتها بالتطوّرات اللغوية في المغرب العربي. وهذا كلّه يتطلّب إدماج هذا الرصيد في المناهج الأكاديمية، بما يعزّز تعليم التراث الموسيقي والهوية الثقافية في الفضاء المغاربي.

حواشي سفلية

  1. [1] الكتب الصادرة عن المؤلف عبد القادر سليم الحصّار: من غرناطة إلى تلمسان، صدر عن منشورات المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية (ENAG) سنة 2011، وهو دراسة تتناول الشعر والتراث الموسيقي لأساتذة تلمسان. شارك في تأليف كتاب مختارات رفقة والده بن علي الحصّار، وقد صدر عن دار داليمان (DALIMAN) سنة 2011، ويتناول الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في تلمسان خلال القرن التاسع عشر .تلمسان، أرض التمازج الثقافي، صدر سنة 2015 عن دار داليمان، ويعرض لمسيرة المستشرقين الرسامين في القرنين التاسع عشر والعشرين .الملحمة الموسيقية الأندلسية، صدر عن منشورات PAF بفرنسا سنة 2016. التراث الموسيقي الأندلسي، صدر عن منشورات ANEP سنة 2017.

Citer cet article

FARDEHEB, L. (2025). عرض نقدي لكتاب"الموسيقى العربيّة الأندلسيّة: نفح الأزهار السندسية في مجاميع النوبة الأندلسيّة" من تأليف سليم عبد القادر الحصّار. Turath - Revue algérienne d’anthropologie culturelle, 03(05), 99–105. https://turath.crasc.dz/fr/article/ard-nqdy-lktabalmwsyqa-alarbya-alandlsya-nfh-alazhar-alsndsya-fy-mjamya-alnwba-alandlsya-mn-talyf-slym-abd-alqadr-alhsar